مجد الدين ابن الأثير

412

المختار من مناقب الأخيار

قال : ثم رجع ونام . فقلت : إنّا للّه ، إمّا أن يكون سوداويّا ، أو وليّا للّه عزّ وجلّ مدلّا . فبينا أنا كذلك أفكّر في أمره إذ أقبل رجل ومعه زنبيل كبير ، فجعل ينظر يمينه ويساره حتى لمحه ، فقعد عند رأسه ، ثم قال له : اقعد . ثم أخرج من الزّنبيل مضيرة وفالوذجا حارّا . فقعد الفقير يأكل حتى شبع ، ثم قال له : ردّ الباقي إلى صبيانك . فقام الرجل من عنده ، وذهب . قال : فتبعته ، فقلت له : سألتك باللّه عزّ وجلّ هل بينك وبين هذا الفقير معرفة ؟ فقال : لا واللّه ، ولا رأيته إلّا في وقتي هذا . اشتهى عليّ صبياني يوم أمس مضيرة وفالوذجا حارّا ، وأنا رجل حمّال ، فقلت لهم : ما يمكن اليوم ، فإن فتح اللّه تعالى بشيء فعلت . فكسبت اليوم دينارا ، فاشتريت به حوائج المضيرة والفالوذج وغلبتني عيناي ، فنمت فهتف بي هاتف : قم ، فاحمل هذه المضيرة والفالوذج إلى المسجد ، فاجعله بين يدي الرجل الملفوف بالعباءة ؛ فإنّا أصلحناه له ؛ فما بقي منه فأطعمه لصبيانك . فانتبهت ، وقد قرّبوه لنأكل ، فأخذته وجئت به إلى هذا النائم كما رأيت ، فقلت له : قد وفّقت إن شاء اللّه تعالى ، وأنشد رضي اللّه عنه : حسبي سؤالي في الهوى أن تعلما « 1 » * أن ليس حقّ مودّتي أن أظلما ثمّ امض في ظلمي على علمي به * لا مقصرا عنه ولا متهجّما فو حقّ ما أخذ الهوى من مهجتي * فأذاب من بدني عليك وأسقما لجفاك عن علم بما أنا واجد * أحظى لديّ من الرّضا متوهّما ثم أنشد رضي اللّه عنه : شئت هجري فلا تصلني فإنّي * مستلذّ الذي يسرّك منّي هات ما شئت من جفاء وصدّ * واجتناب وصبوة وتجنّي

--> ( 1 ) في ( أ ) : « حسبي سواء في الهوى أن نعلما » .