مجد الدين ابن الأثير
403
المختار من مناقب الأخيار
جسيما ؟ فقلت : باللّه يا أعرابيّ ، ما رأيت أربط منك جأشا ، ولا أصعب منك مراسا ! فقال : يا هذا ، إنّ الصّبر والجزع ضدّان ؛ أحدهما بصيرة بنجدة ، والآخر تهوّر بغرّة ، وليس بحزم تتبّع ما فات مطلبه ، وعزبت « 1 » أوبته ، ثم أنشأ يقول : وكذا أشتهي لحادث ريب الد * دهر إذ كان أن يكون عظيما « 2 » * * * وقال عبد الرحمن بن أبي نوح : ذكر لي عن رجل من العرب فيه فهم وخيرة ، فقصدت له في بعض البوادي حتى أصبته يسنو « 3 » على بعير له ، فقلت له : قل لي كلاما أحفظه عنك رحمك اللّه . قال : انطلق لشأنك ، فإنّ الفعل أولى بك من القول . فقلت : رحمك اللّه ، إنّ دليل العمل القول ، ومفتاحه المعرفة . فأعجب بقولي ، ثم أقبل عليّ فقال : يا أخي ، إنّ الشّفقة لم تزل بالمؤمن حتى أوفدته على خير حال ، وإنّ الغفلة لم تزل بالفاجر حتى أسلمته إلى شرّ حال ، وما خير عمر امرئ لا يدري ما عاقبة عمره ؟ وما خير عيش لا يكمل ما خفض منه ؟ وإن كانت الرّغبة في الدّنيا هي المستولية على قلوبنا كما استولت على أبداننا لقد خبنا غدا في القيامة وخسرنا « 4 » . * * * وقال يحيى بن معاذ : كنت في سياحتي ، فبينا أنا في بعض الفلوات إذ لاح كوخ من قصب ، فقصدت نحوه ، فإذا أنا بشيخ مبتلى ، قد أكل الدّود
--> ( 1 ) عزبت : بعدت . معجم متن اللغة ( عزب ) . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 382 . ( 3 ) يسنو : يسقي . اللسان ( سنو ) . وفي ( ب ) : « يسير » . ( 4 ) صفة الصفوة 4 / 382 .