مجد الدين ابن الأثير
353
المختار من مناقب الأخيار
بقي عندي في المسجد سبعة أيام لا يطعم الطعام ، وكنت أعرض عليه [ الطعام ] فيأبى ، فبينا نحن جلوس ذات يوم دخل سائل يطلب شيئا ، فقال له الخراساني : لو قصدت اللّه عزّ وجلّ دون خلقه أغناك . فقال السائل : مالي هذا المكان ؟ فقال له الخراسانيّ : أيّ شيء تريد ؟ فقال : ما سدّ فاقتي ، وستر عورتي . فقام الخراسانيّ إلى المحراب وصلّى ركعتين ، ثم أتاه بثوب جديد ، وطبق فيه فاكهة فأعطاه السائل . قال ذو النون : فقلت له : يا أبا عبد اللّه ، لك هذا الجاه عند اللّه عزّ وجلّ ، وأنت منذ سبعة أيام لم تطعم شيئا ؟ فجثى على ركبتيه ، وقال : يا أبا الفيض ، كيف نبسط « 1 » الألسن بالمسألة ، والقلوب ممتلئة بأنوار الرّضا عنه ؟ قال ذو النّون : فقلت له : فالرّاضون لا يسألون شيئا ؟ فقال : منهم من يسأل من باب الإدلال « 2 » ، ومنهم من يملؤه غنى به ، ومنهم من يستخرج المسألة منه عطفة على غيره . ثم أقيمت الصلاة ، فصلّى معنا عشاء الآخرة ، وأخذ ركوته ، وخرج من المسجد كأنّه يريد الطهارة ، فلم أره بعد ذلك « 3 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال إبراهيم بن أدهم عن ابتدائه كيف كان ، قال : كنت يوما في مجلس لي له منظرة إلى الطّريق ، فإذا أنا بشيخ عليه أطمار ، وكان يوما حارّا ، فجلس في فيء القصر ليستريح . فقلت للخادم : اخرج إلى هذا الشيخ فأقرئه منّي السلام ، وسله « 4 » أن يدخل إلينا ؛ فقد أخذ بمجامع قلبي .
--> ( 1 ) في ( ب ) : « كيف لا نبسط » . ( 2 ) في ( أ ) : « الإذلال » . ( 3 ) صفة الصفوة 4 / 176 . ( 4 ) في ( ب ) : « وادعه أن يدخل » .