مجد الدين ابن الأثير
354
المختار من مناقب الأخيار
فخرج إليه ، فقام معه فدخل إليّ ، فسلّم فرددت عليه السلام ، واستبشرت بدخوله ، وأجلسته إلى جانبي ، وعرضت عليه الطعام ، فأبى أن يأكل ، فقلت له : من أين أقبلت ؟ قال : من وراء النّهر . فقلت : أين تريد ؟ فقال : الحجّ إن شاء اللّه . قال : وكان ذلك أوّل يوم من العشر أو الثاني . فقلت : في هذا الوقت ؟ قال : يفعل اللّه ما يشاء . فقلت : فالصّحبة ؟ فقال : إن أحببت ذلك . حتى إذا كان الليل قال لي : قم . فقمت ، فلبست ما يصلح للسّفر ، وأخذ بيدي ، فخرجنا من بلخ ، فمررنا بقرية لنا ، فلقيني رجل من الفلّاحين فأوصيته ببعض ما أحتاج إليه فقدّم إلينا خبزا وبيضا ، وسألنا أن نأكل ، فأكلنا ، وجاء بماء فشربنا . ثم قال : بسم اللّه ، قم . فأخذ بيدي فجعلنا نسير ، وأنا انظر إلى الأرض تجذب من تحتنا كأنّها الموج ، فمررنا بمدينة بعد مدينة ، فجعل يقول : هذه مدينة كذا ، هذه مدينة كذا ، ثم قال : هذه مدينة الكوفة . ثم إنه قال : الموعد هاهنا ، في مكانك هذا في الوقت [ الفلاني ] يعني من الليل ، حتى إذا كان الوقت إذا به قد أقبل ، فأخذ بيدي ، وقال : بسم اللّه . قال : فجعل يقول : هذا منزل كذا ، هذا منزل كذا ، وهذا منزل كذا ، وهذه فيد « 1 » ، وهذه المدينة . وأنا انظر إلى الأرض تجذب من تحتنا كأنّها الموج ، فصرنا إلى قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فزرناه ثم فارقني ، وقال : الموعد في الوقت من الليل في المصلّى . حتى إذا كان الوقت خرجت فإذا به في المصلّى ، فأخذ بيدي ففعل كفعله في الأولى والثانية حتى أتينا مكّة في الليل ، ففارقني ، فقبضت عليه ، فقلت : الصّحبة ؟ فقال : إنّي أريد الشّام . فقلت : أنا معك . فقال لي : إذا انقضى الحجّ فالموعد هاهنا عند زمزم . حتى إذا انقضى الحجّ إذا به عند زمزم ، فأخذ بيدي ، فطفنا بالبيت ، ثم خرجنا من مكّة ، ففعل كفعله الأول والثاني والثالث ، فإذا نحن ببيت المقدس ، فلمّا دخل المسجد قال لي : عليك السلام ، أنا على المقام إن
--> ( 1 ) فيد : منزل بطريق مكة . معجم البلدان .