مجد الدين ابن الأثير

323

المختار من مناقب الأخيار

وقال محمد بن حسّان : بينا أنا أدور في جبل لبنان إذ خرج عليّ رجل شابّ قد أحرقته السّموم والرّياح ، عليه طمر رثّ ، وقد سقط شعر رأسه على حاجبيه ؛ فلمّا نظر إليّ ولّى هاربا مستوحشا ، فقلت له : يا أخي ، موعظة لعلّ اللّه ينفعني بها . فالتفت إليّ وهو مارّ فقال : يا أخي ، احذره فإنّه غيور ، لا يحبّ أن يرى في قلب عبده سواه « 1 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال أبو فروة السّائح : بينا أنا أسيح في جبل لبنان إذ جنّ اللّيل عليّ ، وأنا في بعض أوديته ، فإذا أنا بصوت محزون ، وهو يقول : يا من آنسني بقربه ، وأوحشني من خلقه ، وكان عند مسرّتي ، ارحم اليوم عبرتي . فدنوت منه فإذا شيخ قد سقط حاجباه على عينيه ، فلمّا أحسّ بي نفر ، وقال : إنسيّ أنت ؟ قلت : إنسيّ . فقال : إليك عني ، فمنكم فررت « 2 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال : ذو النون : بينا أنا أسير على جبل لبنان في جوف الليل إذا أنا بعريش من ورق البلّوط ، وإذا بشابّ قد أخرج رأسه من العريش بوجه أحسن من القمر . فقال : شهد لك قلبي في النّوازل بمعرفة درجة التفضيل لك ، وكيف لا يشهد لك قلبي بذلك ، ولا يحسن قلبي أن يألف غيرك ؟ هيهات لقد خاب لديك المقصّرون عنك ، ثم أدخل رأسه في عريشه ،

--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 346 . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 347 .