مجد الدين ابن الأثير
320
المختار من مناقب الأخيار
كلّ شهر في مثل هذا اليوم في مثل هذا الموضع نجلس ، فإذا كان الظّهر أقبل علينا رجل من هذا الموضع ، فنقوم إليه فيدعو لنا . فقعدت معهم . قال : فلمّا كان أوان الظّهر أقبل رجل أسمر شديد السّمرة ، عليه مئزر صوف ، فقرأ على كلّ واحد ، فلحقته فقلت له : قف عليّ يرحمك اللّه أكلّمك . فالتفت إليّ ، وقال : يا سريّ ، لا تعامل غيره فتسقط من عينه « 1 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال أبو عبيد البسريّ : سألت رجلا باللّكّام : ما الذي أجلسك في هذا الموضع ؟ قال : وما سؤالك عن شيء إن طلبته لم تدركه ، وإن لحقته لم تقع عليه ؟ قلت له : تخبرني ما هو ؟ قال : علمي بأنّ مجالستي اللّه ليستغرق نعيم الجنان كلّها . قال : ثم قال : أوّه ، قد كنت أظنّ أنّ نفسي قد ظفرت ، ومن الخلق هربت ، فإذا أنا كذّاب في مقامي ، لو كنت محبّا له « 2 » صادقا ما اطّلع عليّ أحد . فقلت : أما علمت أنّ المحبّين خلفاء اللّه في أرضه ، مستأنسون بخلقه ، يبعثونهم على طاعته . قال : فصاح بي صيحة ، وقال : يا مجذوع « 3 » ، لو شممت رائحة الحبّ ، وعاين قلبك ما وراء ذلك القرب ما احتجت أن ترى فوق ما رأيت . ثم قال : يا سماء ويا أرض اشهدا عليّ أنّه ما خطر على قلبي ذكر الجنّة ولا النار قطّ ، إن كنت صادقا فأمتني . قال : فو اللّه ما سمعت له كلاما بعدها ، وخفت أن يسبق إليّ الظنّ من الناس في قتله ، وتركته ومضيت ، فبينا أنا على ذلك الحال إذا أنا بجماعة ،
--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 343 . ( 2 ) في ( ب ) : « للّه » . ( 3 ) في ( أ ) : « يا مجدوع » .