مجد الدين ابن الأثير
321
المختار من مناقب الأخيار
فقالوا : ما فعل الفتى ؟ فكنّيت عن ذلك ، فقالوا : ارجع فإنّ اللّه قد قبضه ، فصلّيت معهم عليه ، فقلت لهم : من هذا الرجل ؟ ومن أنتم ؟ فقالوا : ويحك هذا رجل كان به يمطر المطر ، قلبه على قلب إبراهيم الخليل عليه السلام ، أما رأيته يخبر عن نفسه أنّ ذكر النار ما خطر على قلبه قطّ . فهل كان أحد هكذا إلّا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ؟ قلت : فمن أنتم ؟ قالوا : من السبعة المخصوصين من الأبدال . قلت : علّموني شيئا . قالوا : لا تختر أن تعرف ، ولا تختر أن تعرف ؛ إنّك ممّن لا يختر أن يعرف . رحمة اللّه عليهم ورضوانه . * * * وقال ذو النون : وصف لي رجل من أهل المعرفة في جبل اللّكّام ، فقصدته ، فلقيني جماعة من المتعبّدين ، فسألتهم عنه ، فقالوا : يا ذا النون ، تسأل عن المجانين ؟ فقلت : وما الذي رأيتم من جنونه ؟ قالوا : نراه في أكثر أوقاته هائما ساهيا ، يكلّم فلا يجيب ، ويتكلّم فلا يفقه ما يقول « 1 » ، وينوح في أكثر أوقاته على نفسه ويبكي . فقلت في نفسي : ما أحسن أوصاف هذا المجنون ! ثم قلت لهم : دلّوني عليه . فقالوا : إنّه يأوي في الوادي الفلاني . فانطلقت إلى الوادي ، فأشرفت على واد وعر ، فجعلت انظر يمينا وشمالا ، فإذا أنا بصوت محزون شج من وجد قلب ، وهو يقول : يا ذا الذي أنس الفؤاد بذكره * أنت الذي ما إن سواه أريد تفنى اللّيالي والزمان بأسره * وهواك غضّ في الفؤاد جديد قال ذو النون : فاتّبعت الصوت فإذا أنا بفتى حسن الوجه ، حسن الصوت ، وقد ذهبت تلك المحاسن ، وبقيت رسومها . نحيل قد اصفرّ
--> ( 1 ) في صفة الصفوة : 4 / 344 : « فلا نفقه » .