مجد الدين ابن الأثير

314

المختار من مناقب الأخيار

وقال الجنيد : كنت جالسا في مسجد الشّونيزيّة أنتظر جنازة أصلّي عليها ، وأهل بغداد على طبقاتهم جلوس ينتظرون الجنازة ، فرأيت فقيرا عليه أثر النّسك يسأل الناس ، فقلت في نفسي : لو عمل هذا عملا يصون به نفسه كان أجمل به . فلمّا انصرفت إلى منزلي ، وكان لي شيء من الورد باللّيل من الصلاة والقراءة والبكاء ، فثقلت عليّ جميع أورادي ، فسهرت وأنا قاعد ، فغلبتني عيناي ، فرأيت ذلك الفقير ، وقد جاءوا به ممدودا على خوان ، قالوا لي : كل لحمه ؛ فقد اغتبته . فكشف لي عن الحال ، وقلت : ما اغتبته ، إنّما قلت شيئا في نفسي . فقيل لي : ما أنت ممّن يرضى منك بمثل هذا ، اذهب إليه فاستحلّه . فأصبحت ولم أزل أتردّد عليه حتى رأيته في موضع يلتقط من ترداد الماء أوراقا من البقل ممّا يتساقط عن غسل البقل ، فسلّمت عليه ، فقال : أتعود يا أبا القاسم ؟ قلت : لا . قال : غفر اللّه لنا ولك « 1 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال أبو العباس الهاشمي : دخلت على الحارث بن أسد المحاسبيّ فقلت له : يا أبا عبد اللّه ، حاسبت نفسك ؟ فقال : كان هذا مرّة . قلت له : فاليوم ؟ قال : أكاتم حالي ؟ إنّي لأقرأ آية من كتاب اللّه تعالى فأضنّ بها أن تسمعها نفسي لولا أن يغلبني فيها فرح ما أعلنت بها ، ولقد كنت ليلة قاعدا في محرابي فإذا أنا بفتى حسن الوجه ، طيّب الرائحة ، فسلّم عليّ ، ثم قعد

--> ( 1 ) روض الرياحين 208 ( الحكاية 128 ) .