مجد الدين ابن الأثير
315
المختار من مناقب الأخيار
بين يدي ، فقلت له : من أنت ؟ فقال : أنا واحد من السيّاحين ، أقصد المتعبّدين في محاريبهم ، ولا أرى لك اجتهادا ، فأيّ شيء عملك ؟ قال : قلت : كتمان المصائب واستجلاب الفوائد . قال : فصاح صيحة وقال : ما علمت أنّ أحدا بين جنبتي المشرق والمغرب هذه صفته . قال الحارث : فأردت أن أزيد عليه ، فقلت له : أما علمت أنّ أهل القلوب يحملون أحوالهم ، ويكتمون أسرارهم ، ويسألون اللّه عزّ وجلّ كتمان ذلك عليهم ، فمن أين تعرفهم ؟ قال : فصاح صيحة غشي عليه . فمكث عندي يومين لا يعقل ، ثم أفاق وقد أحدث في ثيابه ، فعلمت إزالة عقله ، فأخرجت له ثوبا جديدا ، وقلت له : خذ هذا كفني قد آثرتك به ، فاغتسل وأعد صلواتك « 1 » . فقال : هات الماء . فاغتسل وصلّى ، ثم التحف بالثوب وخرج ، فقلت له : أين تريد ؟ فقال لي : قم . فلم يزل يمشي حتى دخل على المأمون أمير المؤمنين ، فسلّم عليه ثم قال : يا ظالم ، وأنا ظالم إن لم أقل لك يا ظالم « 2 » ، أستغفر اللّه تعالى ، أستغفر اللّه من تقصيري فيك ، أستغفر اللّه ، أما تتّقي اللّه عزّ وجلّ فيما قد ملّكك ! وتكلّم بكلام كثير ، ثم أقبل يريد الخروج ، وأنا بالباب جالس ، فأقبل عليه المأمون ، وقال : من أنت ؟ قال : أنا رجل من السيّاحين ، فكّرت فيما عمل الصّدّيقون قبلي فلم أجد لنفسي فيه حظّا ، فتعلّقت بموعظتك لعلّي ألحقهم . قال : فأمر بضرب عنقه ، وأخرج وأنا قاعد على الباب ملفوفا في ذلك الثوب ، ومناد ينادي : من وليّ هذا فليأخذه ؟ قال الحارث : فاجتنبت عنه ، فأخذه أقوام غرباء فدفنوه ، وكنت معهم لا أعلمهم حاله ، فأقمت في مسجد في المقابر محزونا على الفتى ، فغلبتني عيناي ، فإذا هو بين وصائف لم أر
--> ( 1 ) في ( ب ) : « صلاتك » . ( 2 ) في ( أ ) : « إن لم أقل ذلك » .