مجد الدين ابن الأثير

313

المختار من مناقب الأخيار

فلمّا كان يوم عرفة ، وأنا أتكلّم على النّاس رأيته في أواخرهم ، فلما انقضى المجلس مضيت إليه ، فسلّمت عليه ، فردّ عليّ وقال : لا تعد ما فات ، ولا تقل شيئا ، فلو لا أني أعتقد كلامك دواء لقلبي لم أحضر ، وإنّما غبت عنك لأنّا انتقلنا إلى مكان آخر حتى لا نعرف . فقلت : ما أتيت إلّا معتذرا ، وما أعود . ثم فارقته « 1 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال إسماعيل الدّيلميّ : كنت في البيت عند أحمد بن حنبل ، فإذا نحن بداقّ يدقّ الباب ، قال : فخرجت إليه ، فإذا أنا بفتى عليه أطمار شعر ، قال : فقلت : ما حاجتك ؟ قال : أريد أحمد بن حنبل . قال : فدخلت إليه ، فقلت : يا أبا عبد اللّه ، بالباب شابّ عليه أطمار شعر يطلبك . قال : فخرج إليه فسلّم عليه ، فقال له الفتى : با أبا عبد اللّه ، أخبرني ما الزّهد في الدّنيا ؟ فقال له أحمد : حدّثنا سفيان عن الزّهري ، أنّ الزّهد في الدّنيا قصر الأمل . فقال له : يا أبا عبد اللّه ، صفه لي . قال : وكان الفتى قائما في الشمس والفيء بين يديه ، فقال : هو أن لا يبلغ من الشمس إلى الفيء . ثم ذهب ليلولّي ، فقال له أحمد : قف . قال : فدخل ، فأخرج له صرّة ، فدفعها إليه ، فقال له : يا أبا عبد اللّه ، من لا يبلغ من الشمس إلى الفيء أيش يعمل بهذه ؟ قال : ثم تركه وولّى . رحمة اللّه ورضوانه . * * *

--> ( 1 ) صفة الصفوة 2 / 510 .