مجد الدين ابن الأثير
300
المختار من مناقب الأخيار
وقلت : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرحمن الرحيم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ . . . [ التحريم : 6 ] الآية . قال منصور : ثم سمعت للصّوت اضطرابا شديدا ، وسكن الصوت ، فقلت : إنّ هناك بليّة . فعملت على الباب علامة ومضيت لحاجتي ، فلمّا رجعت من الغد إذ أنا بجنازة منصوبة ، وأكفان تصلح ، وعجوز تدخل الدّار وتخرج باكية ، فقلت : يا أمة اللّه ، من هذا الميت منك ؟ قالت : إليك عنّي ، لا تجدّد عليّ أحزاني . قلت : إنّي رجل غريب ، أخبريني . قالت : واللّه لولا أنّك غريب ما أخبرتك ، هذا ولدي ومنزل كبدي ، ومن كنت أظنّ أنّه سيدعو لي من بعدي . كان ولدي من موالي آل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وكان إذا جنّ عليه الليل قام من محرابه يبكي على ذنوبه ، وكان يعمل هذا الخوص ، فيقسم كسبه أثلاثا : فثلث يطعمني ، وثلث للمساكين ، وثلث يفطر عليه . فمرّ البارحة علينا رجل لا جزاه اللّه خيرا ، فقرأ عند ولدي آيات فيها ذكر النار ، فلم يزل يضطرب ويبكي حتى مات . رحمه اللّه . قال منصور بن عمّار : فهذه صفة الخائفين إذا خافوا السّطوة . * * * قال محمد بن السّمّاك : وعظت يوما في مجلس ، فقام شابّ من القوم ، فقال لي : يا أبا العباس ، لقد وعظت اليوم بكلمة ما كنّا نبالي أن نسمع غيرها . قلت : وما هي ، رحمك اللّه ؟ قال : قولك لقد قطع قلوب الخائفين طول الخلودين : إمّا في الجنّة أو النار . ثم غاب ذلك الشابّ عنّي ، ففقدته في المجلس الآخر ، ولم أره ،