مجد الدين ابن الأثير
292
المختار من مناقب الأخيار
وما يدريك أنّه يحبّك ؟ فقال : تنحّ عن همّتي ، يا من اشتغل عنه بنفسه ، أين كنت أنا حين خصّني بتوحيده ومعرفته ؟ أتراه بدأني بذلك إلّا لمحبّته لي ؟ ثم بادر يسعى ، فقلت : ارفق بنا . قال : أنا مملوك ، عليّ فرض من طاعة مالكي الصغير « 1 » . فدخل دار نخّاس ، فلما أصبحنا أتيت النخّاس فقلت له : عندك غلام تبيعنيه للخدمة ؟ قال : نعم ، عندي مائة غلام . فجعل يخرج إليّ واحدا بعد واحد ، وأنا أقول : غير هذا ؛ إلى أن قال : ما بقي عندي أحد . فلمّا خرجنا إذ بالأسود نائم في حجرة خربة ، فقلت : بعني هذا . قال : هذا غلام مشئوم ، لا همّة له إلّا البكاء . فقلت : ولذلك أريده . فدعاه ، وقال لي : خذه بما شئت بعد أن تبرئني من عيوبه . فاشتريته بعشرين دينارا ، فلمّا خرجنا قال : يا مولاي ، لماذا اشتريتني ؟ قلت : لنخدمك نحن . قال : ولم ذاك ؟ قلت : أليس أنت صاحبنا البارحة في المصلّى ؟ قال : وقد اطّلعت على وسيّدي ، سرّ كان بيني وبينك ، أظهرته للمخلوقين ، أقسمت عليك إلّا قبضت روحي الساعة . فإذا هو ميت ، فمددت يديه ورجليه ، فإذا وجهه ضاحك ، وإذا شابّ قد أقبل من الباب ، فقال : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، أعظم اللّه أجرنا في أخينا ، هاكم الكفن ، فكفّنوه فيه . فناولني ثوبين ما رأيت مثلهما ، ثم خرج ، فكفّنّاه فيهما . قال مالك بن دينار : فبقبره نستسقي ، ونطلب الحوائج إلى يومنا هذا « 2 » . * * * وقال محمد بن عبد الرحمن عمّن حدّثه : أنّهم كانوا بالبصرة في سنة قحط الناس فيها ، وغلا سعرهم ، واحتبس عنم المطر ، فخرجوا يستسقون ،
--> ( 1 ) في ( ب ) : « مولاي الصغير » . ( 2 ) الخبر في صفة الصفوة 4 / 16 .