مجد الدين ابن الأثير
293
المختار من مناقب الأخيار
وخرجت اليهود والنصارى ، فاعتزلت اليهود ومعهم التّوراة ، واعتزلت النّصارى ومعهم الإنجيل ، واعتزل المسلمون كلّهم يدعون ، وانصرفوا يومهم ذلك . قال : فبينا أنا بعد ذلك أمشي في طريق المربد نظرت ، فإذا بين يدي فتى عليه أطمار رثّة ، تقبله النّفس ، فهو يمشي وأنا خلفه ، حتى خرج إلى الجبّان ، فدخل بعض تلك المساجد التي بالقرب من المقابر ، ودخلت خلفه ، يحول بيني وبينه أركان المسجد ، فصلّى ركعتين ثم رفع يده يدعو ، فقال في دعائه : يا ربّ ، استغاث بك عبادك فلم تسقهم ؛ يا ربّ ، الآن شمت بنا اليهود والنصارى ، أقسمت عليك يا ربّ إلّا سقيتنا الساعة ولم تردّني . قال : فما برح يدعو حتى جاءت السّحابة ، ومطرنا ، فخرج وخرجت في أثره لأعرف موضعه . فجاء إلى دار فيها أخصاص وأكواخ ، وفيها سكّان ، فدخل بيتا منها ، فعرفت موضعه ، فانصرفت عنه وهيّأت دراهم في صرّة ، ثم جئت فاستأذنت عليه ، فدخلت ، وإذا ليس في البيت إلّا قطعة حصير ومطهرة فيها ماء ، وإذا هو قاعد يعمل الخوص ، فسلّمت ، فرحّب بي وبشّ ، فتحدّثت ساعة ، ثم أخرجت الصرّة . فقلت : رحمك اللّه ، انتفع بهذه . فتبسّم وقال : جزاك اللّه خيرا ، أنا في غنى عنها . فألححت عليه . فجعل يدعو ويأبى أن يأخذها ، فلمّا أكثرت عليه تنكّر لي ، وقال : حسبك ، الآن ليس بي إليها حاجة . قال : فأقبلت عليه ، فقلت : رحمك اللّه ، إنّ لي عليك حقّا . قال : وما هو ، رحمك اللّه ؟ قلت : كنت أسمع دعاءك حين خرجت إلى الجبّان . قال : فاصفرّ وجهه حتى أنكرته ، وساءه ما قلت ، ثم خرجت من عنده ، فلمّا كان بعد ذلك بأيام ، أتيته فلمّا دخلت الدار جعل سكّان الدار يصيحون بقيّم الدار : هو ذا هو قد جاء . فجاء إليّ فتعلّق بي ، وقال : يا عدوّ نفسه ، ما صنعت بذاك الفتى الذي جئته اليوم الأول ؟ أيّ شيء أسمعته ؟ قلت : لا تعجل حتى أخبرك بالحديث ، فأخبرته