مجد الدين ابن الأثير
226
المختار من مناقب الأخيار
منيّته ، فسدّ ثلمته بنظيره في الرّحمة ، وشقيقه في السّيرة والمعدلة ، ذلك ابن الخطّاب للّه أمّ حملت به ! ودرّت عليه ، لقد أوحدت به « 1 » ، ففنخ الكفرة « 2 » وديّخها ، وشرّد الشّرك شذر مذر ، وبعج الأرض وبخعها « 3 » فقاءت أكلها ، ولفظت خبأها « 4 » ترأمه ويصدف عنها « 5 » ، وتصدّى له ويأباها ، ثم وزّع فيها فيأها وودّعها كما صحبها . فأروني ما ذا ترتئون ، وأيّ يومي أبي تنقمون « 6 » ؟ يوم إقامته إذ عدل فيكم ، أم يوم ظعنه فقد نظر لكم . أستغفر اللّه لي ولكم « 7 » . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يخصف نعله ، وكنت أغزل ، فنظرت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فجعل جبينه يعرق ، وجعل عرقه يتولّد نورا ، فبهت . فنظر إليّ فقال : « مالك بهتّ ؟ » . فقلت : يا رسول اللّه ، نظرت إليك فجعل جبينك يعرق ، وجعل عرقك يتولّد نورا ، فلو رآك أبو كبير « 8 » الهذليّ لعلم أنّك أحقّ بشعره . قال : « وما يقول أبو كبير الهذلي » ؟ قالت : يقول :
--> ( 1 ) أوحدت : جاءت به واحدا فردا بلا نظير . ( 2 ) فنخ الكفرة : أي أذلّها وقهرها . وهي في ( أ ) : « ففتح » . ( 3 ) بعج الأرض : إذا شقّها . وبخعها : إذا حرثها . ( 4 ) اللفظ : الإلقاء ، الخبء : المخبوء : أي ألقت ما كان خبئ فيها من النبات . تريد أنه عمر البلاد وأكثر الحرث والزراعة ، فأكلت الأرض البذر ، وشربت ماء المطر ، فقاءت أكلها حين أنبتت ، ويجوز تريد بالبعج والبخع الجهاد ، وبث الغزاة في أقطار الأرض ، وبقيء الأكل ولفظ الخبيء ، ما فتح اللّه على المسلمين من البلاد والغنائم . ( 5 ) ترأمه : تعطف عليه ، ويصدف عنها : أي يعرض عنها . ( 6 ) تريد أيّ الشيئين تنكرون على أبي ؟ يوم حياته إذ قام فيكم بالواجب ، أم يوم موته إذ ولّى أمركم أعدل الناس وأقوامهم به ؟ . ( 7 ) بلاغات النساء لطيفور 7 ، منال الطالب في شرح طوال الغرائب 561 ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 48 وقال : رواه الطبراني ، وأحمد السدوسي لم يدرك عائشة ، ولم أعرفه ولا ابنه . ( 8 ) في الأصل : « أبو كثير » .