مجد الدين ابن الأثير
224
المختار من مناقب الأخيار
وما أبيه ! أبي لا تعطوه الأيدي « 1 » ، ذاك طود منيف ، وظلّ مديد « 2 » ، هيهات ، كذبت الظّنون ، أنجح إذ أكديتم « 3 » ، وسبق إذ ونيتم « 4 » سبق الجواد إذا استولى على الأمد « 5 » ، فتى قريش ناشئا ، وكهفها كهلا « 6 » ، يفكّ عانيها ، ويريش مملقها ، ويرأب شعبها ، حتى حليته « 7 » قلوبها ، ثم استشرى « 8 » في دين اللّه تعالى ، فما برحت « 9 » شكيمته في ذات اللّه حتى اتّخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون ، وكان - رحمه اللّه - غزير الدّمعة ، وقيذ الجوانح « 10 » ، شجيّ النّشيج « 11 » ، فانصفقت إليه نسوان مكّة وولدانها « 12 » يسخرون منه ، ويستهزءون به اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ البقرة : 15 ] فأكبرت ذلك رجالات قريش ، فحنت له قسيّها « 13 » ، وفوّقت له سهامها « 14 » ، وامتثلوه غرضا « 15 » فما فلّوا له صفاة « 16 » ، ولا قصفوا له قناة ، ومرّ على
--> ( 1 ) العطو : الأخذ ، أي لا تبلغه الأيدي ، ولا تصل إليه لارتفاعه وعزّه . ( 2 ) في الأصل : « فرع » . والمثبت من منال الطالب . ومعناه : أنّ شرفه سابغ لا تزيله الأقوال كما تزيل الشمس الظّل . ( 3 ) الإكداء : الخيبة . ( 4 ) ونيتم : قصّرتم وفترتم . ( 5 ) الأمد : الغاية . ( 6 ) الكهف : الملجأ . ( 7 ) حليته : استحسنته وأعجبت به . ( 8 ) استشرى : أي لجّ وتمادى . ( 9 ) برح : بمعنى زال ، وليست من أخوات كان الناقصة ؛ لأنّ تلك تحتاج إلى خبر . ( 10 ) في الأصل : « الجوارح » ، والمثبت من منال الطالب ، والوقيذ : العليل الشديد العلّة . والجوانح : الضلوع القصار ، تريد أنّه عليل القلب محزونه ، قد وقذه خوف اللّه تعالى ، فكنت عن القلب بالجوانح لأنه يليها . ( 11 ) شجيّ : حزين مغتصّ ، والنشيج : صوت معه توجّع . ( 12 ) انصفق : مطاوع صفقته إذا ضربه ، تريد صرفهم إليه صارف التلهّي والسّخرية . ( 13 ) حنا القوس يحنيها : إذا عطفها ، تريد وتّرها لرميه . ( 14 ) فوّقت السهام : إذا جعلت له أفواقا ، وتريد بها جعلها في الأوتار عند الرمي . ( 15 ) امتثلوه : نصبوه ، وغرضا : هدفا . ( 16 ) الفلّ : الكسر والثلم . والصفاة : الصخرة . وكلّ هذا استعارة لشدّته في الدّين وقوّته .