مجد الدين ابن الأثير
197
المختار من مناقب الأخيار
وإن قلت : كنت على حقّ فلمّا وهن أصحابي ضعفت . فهذا ليس فعل الأحرار ، ولا أهل الدّين . وكم خلودك في الدنيا ؟ القتل أحسن . فدنا ابن الزّبير ، فقبّل رأسها ، فقال : هذا واللّه رأيي ، والذي قمت به داعيا إلى يومي هذا ما ركنت إلى الدنيا ، ولا أحببت الحياة فيها ، وما دعاني إلى الخروج إلّا الغضب للّه ، وأن تستحلّ حرمه ، ولكنّني أحببت أن أعلم رأيك ، فقد زدتني بصيرة مع بصيرتي ، فانظري يا أمّه ؛ فإنّي مقتول من يومي هذا فلا يشتدّ حزنك ، وسلّمي لأمر اللّه ، فإنّ ابنك لم يتعمّد إيثار منكر ، وعملا بفاحشة ، ولم يجر في حكم اللّه ، ولم يغدر في أمان ، ولم يتعمّد ظلم مسلم ، ولا معاهد ، ولم يبلغني ظلم عن عمّالي فرضيت به بل أنكرته ، ولم يكن عندي آثر من رضا ربّي . اللهمّ إنّي لا أقول هذا تزكية منّي لنفسي ، أنت أعلم بي ، ولكن أقول تعزية لأمّي لتسلو عنّي . فقالت أمّه : إنّي لأرجو من اللّه أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدّمتني ، وإن تقدّمتك ففي نفسي اخرج حتى انظر إلى ما يصير أمرك . فقال : جزاك اللّه يا أمّه خيرا ، فلا تدعي الدّعاء لي قبل وبعد . قالت : لا أدعه أبدا ، فمن قتل على باطل ، فقد قتلت على حقّ . ثم قالت : اللهمّ ، ارحم طول ذلك القيام في الليل الطّويل ، وذلك النّحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكّة ، وبرّه بأبيه وبي . اللهمّ قد سلّمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثبني في عبد اللّه ثواب الشاكرين الصابرين . وفي رواية « 1 » : دخل عبد اللّه على أمّه ، وعليه الدّرع والمغفر ، فوقف فسلّم ، ثم دنا ، فتناول يدها فقبّلها ، فقالت : هذا وداع فلا تبعد . قال : جئت مودّعا ، إنّي لأرى هذا آخر يوم من الدّنيا يمرّ بي ، وأعلم يا أمّه أنّي إن قتلت فإنّما أنا لحم لا يضرّني ما صنع بي . قالت : صدقت يا بنيّ ، أتمم على بصيرتك ، ولا تمكّن ابن أبي عقيل [ منك ] ، وادن منّي أودّعك . فدنا منها ، فقبّلها وعانقها ، فمسّت الدّرع فقالت : ما هذا صنيع من يريد ما تريد . قال :
--> ( 1 ) تاريخ الطبري 6 / 189 .