مجد الدين ابن الأثير

198

المختار من مناقب الأخيار

ما لبستها إلّا لأشدّ منك . قالت : فإنّه لا يشدّ منّي . فنزعها ثم درج كمّيه ، وشدّ أسفل قميصه وهي تقول : البس ثيابك مشمّرة . فانصرف وهو يقول : إنّي إذا أعرف يومي أصبر * إذ بعضهم يعرف ثمّ ينكر فسمعت قوله ، فقالت : تصبر واللّه إن شاء اللّه ، أبوك أبو بكر والزّبير ، وأمّك صفيّة بنت عبد المطلب ، فخرج فقاتل يومئذ حتى قتل فلم تلبث بعده إلّا عشر ليال ، وقيل خمس ليال . وقال أبو نوفل : رأيت عبد اللّه بن الزّبير على عقبة المدينة « 1 » - يعني مصلوبا - وأرسل الحجّاج إلى أمّه أسماء ، فأبت أن تأتيه ، فأعاد عليها الرسول : لتأتينّي أو لأبعثنّ إليك من يسحبك بقرونك . فأبت وقالت : واللّه لا آتيك حتى تبعث إليّ من يسحبني بقروني . فأخذ نعليه ، ثم انطلق يتوذّف « 2 » حتى دخل عليها ، قال : كيف رأيتني صنعت بعدوّ اللّه ؟ قالت : رأيتك أفسدت عليه دنياه ، وأفسد عليك آخرتك ، بلغني أنّك تقول : يا ابن ذات النّطاقين ، أنا واللّه ذات النّطاقين ، أمّا أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وطعام أبي من الدواب ، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه ، أما إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حدّثنا أنّ في ثقيف كذّابا ومبيرا « 3 » ، فأمّا الكذّاب فرأيناه « 4 » ، وأما المبير فلا إخالك إلّا إيّاه . فقام عنها ولم يراجعها « 5 » . وقال القاسم بن محمد : كانت أسماء مع جوار لها وقد ذهب بصرها ، فقالت : أين الحجّاج ؟ قلنا : ليس هاهنا . قالت : مروه فليأمر لنا بهذه العظام ،

--> ( 1 ) كان الحجّاج قد بعث برأس عبد اللّه ورأس عبد اللّه بن صفوان ، ورأس عمارة بن عمرو إلى المدينة فنصبت بها . تاريخ الطبري 6 / 192 . ( 2 ) جاء في هامش ( ب ) ما نصّه : « قوله يتوذف : أي يتبختر ، مأخوذ من التوذيف وهو التبختر » اه . وفي القاموس : يتوذّف : يقارب الخطو ، ويحرّك منكبيه متبخترا . ( 3 ) المبير : المهلك ، يسرف في إهلاك الناس . النهاية ( بور ) . ( 4 ) تعني المختار بن أبي عبيد . انظر تاريخ دمشق 24 . ( 5 ) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق 24 ، 25 .