مجد الدين ابن الأثير

196

المختار من مناقب الأخيار

لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه . قالت : قلت : كلّا يا أبة ، إنّه قد ترك لنا خيرا كثيرا . وأخذت أحجارا ، فوضعتها في كوّة كان أبي يضع فيها ماله ، ثم وضعت عليها ثوبا ، ثم أخذت بيده فقلت : ضع يدك على هذا المال . فوضع يده ، فقال : لا بأس ، إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن ، ففيه لكم بلاغ . قالت : واللّه ما ترك لنا شيئا ، ولكنّي أردت أن أسكّن الشيخ بذلك « 1 » . وقالت : لمّا خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأبو بكر أتانا نفر من قريش ، فيهم أبو جهل ، فوقفوا على باب أبي بكر ، فخرجت إليهم ، فقالوا : أين أبوك يا ابنة أبي بكر ؟ قلت : لا أدري واللّه أين أبي . قالت : فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشا خبيثا - فلطم خدّي لطمة خرّ منها قرطي ، ثم انصرفوا « 2 » . وقال الطبريّ « 3 » بإسناده عن المنذر بن جهم الأسدي قال : رأيت ابن الزّبير يوم قتل ، وقد تفرّق عنه أصحابه ، وخذله من معه خذلانا شديدا . قال مخرمة بن سليمان : فدخل ابن الزّبير على أمّه حين رأى من الناس ما رأى من خذلانهم ، فقال : يا أمّه ، خذلني الناس حتى ولدي وأهلي « 4 » فلم يبق معي إلّا اليسير ، ومن ليس عنده من الدّفع أكثر من صبر ساعة ، والقوم يعطونني ما أردت من الدّنيا فما رأيك ؟ فقالت أمّه : أنت واللّه يا بنيّ أعلم بنفسك ، إن كنت تعلم أنّك على حقّ ، وإليه تدعو فامض إليه ، فقد قتل عليه أصحابك ، ولا تمكّن من رقبتك يتلعّب بها غلمان بني أميّة ، وإن كنت إنّما أردت الدّنيا فبئس العبد أنت ! أهلكت نفسك ، وأهلكت من قتل معك ؛

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام 2 / 133 ، ورواه أحمد في مسنده 6 / 350 ، وأبو نعيم في الحلية 2 / 56 . ( 2 ) سيرة ابن هشام 2 / 131 ، 132 ، حلية الأولياء 2 / 56 . ( 3 ) تاريخ الطبري 6 / 188 . ( 4 ) وكان أصحابه قد خرجوا إلى الحجّاج ، حتى خرج إليه نحو من عشرة آلاف ، وذكر أنه كان ممّن فارقه وخرج إلى الحجاج ابناه حمزة وخبيب . تاريخ الطبري 6 / 188 .