مجد الدين ابن الأثير
148
المختار من مناقب الأخيار
فمن طلبها رفضته ، ومن رفضها طلبته ؛ الدّنيا قنطرة الآخرة ، فاعبروها ولا تعمروها ، فليس من العقل بنيان القصور على الجسور ؛ من طلّق الدنيا فالآخرة زوجته ، فهي مطلّقة الأكياس ، فخلّها ولا تذكرها ، واذكر الآخرة ولا تنسها ، وخذ من الدنيا ما يبلّغك الآخرة ، ولا تأخذ منها ما يمنعك من الآخرة « 1 » . وقال : الناس ثلاثة : رجل شغله معاده عن معاشه فتلك درجة الفائزين ؛ ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك درجة الصالحين ؛ ورجل شغله معاشه عن معاده ، فتلك درجة الهالكين . فلا تجعل الزّهد حرفتك لتكسب به الدّنيا ولكن اجعله عبادتك لتنال بها الآخرة « 2 » . وقيل له : كيف يعبد الرجل من غير بضاعة تعينه على العبادة ؟ فقال : أولئك قوم بضاعتهم مولاهم ، وزادهم تقواهم ، وشغلهم ذكراهم ، ومن اهتمّ بعشائه لم يتهنّأ بغذائه « 3 » ، ومن أراد تسكين قلبه بشيء دون مولاه لم يزده استكثاره من ذلك إلّا اضطرابا « 4 » . وقال : طوبى لمن أصبحت العبادة حرفته ، والفقر منيته ، والعزلة شهوته ، والآخرة همّته ، والقناعة بلغته ، والموت فكرته ، والزّهد نيّته ، وأمات بالذّلّ عزّته ، وجعل إلى الرّبّ حاجته « 5 » . وقال : الدّرهم عقرب ، فإن لم تحسن رقيتها فلا تأخذها بيدك . وقال : عفوه يستغرق الذّنوب فكيف رضوانه ؟ ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبّه ؟ وحبّه يدهش العقول فكيف ودّه ؟ وودّه ينسي ما دونه فكيف لطفه ؟ .
--> ( 1 ) حلية الأولياء 10 / 53 ، 54 . ( 2 ) حلية الأولياء 10 / 56 ، 57 ، صفة الصفوة 4 / 93 . ( 3 ) في ( ب ) : « بمعاشه لم يتهنأ بغذائه » . ( 4 ) حلية الأولياء 10 / 57 . ( 5 ) حلية الأولياء 10 / 58 .