مجد الدين ابن الأثير

419

المختار من مناقب الأخيار

فبرأ منه إلا موضع درهم ، له والدة هو بها برّ ، لو أقسم على اللّه عزّ وجلّ لأبرّه ، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل » . فاستغفر لي . فاستغفر له . فقال عمر : أين تريد ؟ قال : الكوفة . قال : ألا أكتب لك إلى عاملها فيستوصي بك ؟ فقال : أكون من غبراء الناس « 1 » أحبّ إليّ . قال : فلما كان من العام المقبل حجّ رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس : كيف تركته ؟ قال : تركته رثّ البيت « 2 » ، قليل المتاع . فقال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « يأتي عليكم أويس بن عامر » وذكر الحديث . فلما قدم الكوفة أتى أويسا فقال : استغفر لي . فقال : أنت أحدث عهدا بسفر صالح ، فاستغفر لي ، لقيت عمر ؟ قال : نعم . فاستغفر له . ففطن الناس له ، فانطلق على وجهه . قال أسير : وكسوته بردا ، فكان إذا رآه إنسان عليه قال : من أين لأويس هذا البرد « 3 » ؟ وقال أبو هريرة : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه عزّ وجلّ يحبّ من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء الشّعثة رؤوسهم ، المغبرّة وجوههم ، الخمصة بطونهم ، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم ، وإن خطبوا المتنعّمات لم ينكحوا ، وإن غابوا لم يفتقدوا ، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم ، وإن مرضوا لم يعادوا ، وإن ماتوا لم يشهدوا » . قالوا : يا رسول اللّه ! كيف برجل منهم ؟ قال : « ذلك أويس القرني » . قالوا : وما أويس القرني ؟ قال : « أشهل ذو صهوبة « 4 » ، بعيد ما بين المنكبين ، معتدل القامة ،

--> ( 1 ) غبراء الناس : أي ضعافهم وصعاليكهم وأخلاطهم الذين لا يؤبه لهم . صحيح مسلم بشرح النووي 16 / 95 ، 96 . ( 2 ) رث البيت : قليل المتاع . والرثاثة والبذاذة بمعنى ، وهو حقارة المتاع وضيق العيش . صحيح مسلم بشرح النووي 16 / 96 . ( 3 ) الحديث أخرجه مسلم برقم ( 2542 ) بنحوه . ( 4 ) الأشهل : من كان سواد عينه بين الحمرة والسواد . والصهوبة : شقرة في شعر الرأس . اللسان ( شهل ، صهب ) .