مجد الدين ابن الأثير
420
المختار من مناقب الأخيار
آدم شديد الأدمة « 1 » ، ضارب بذقنه إلى صدره ، رام ببصره إلى موضع سجوده ، واضع يمينه على شماله ، يتلو القرآن ، يبكي على نفسه ، ذو طمرين ، لا يؤبه له ، متّزر بإزار صوف ورداء صوف ، مجهول في الأرض معروف في السماء ، لو أقسم على اللّه لأبرّ قسمه ، ألا وإنّ تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء ، ألا وإنّه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد : ادخلوا الجنة . فيقال لأويس : قف فاشفع . فيشفّعه اللّه عزّ وجلّ في مثل عدد ربيعة ومضر . يا عمر ويا عليّ ! إذا أنتما لقيتماه فاطلبا إليه أن يستغفر لكما يغفر اللّه لكما » . قال : فمكثا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه ، فلما كان في آخر السنة التي هلك فيها عمر قام على أبي قبيس ، فنادى بأعلى صوته : يا أهل الحجيج من اليمن ! أفيكم أويس ؟ فقام شيخ كبير ، طويل اللحية فقال : إنّا لا ندري ما أويس ، ولكنّ ابن أخ لي يقال له أويس ، وهو أخمل ذكرا وأقلّ مالا وأهون أمرا من أن نرفعه إليك ، وإنّه ليرعى إبلنا ، حقير بين أظهرنا . فعمّى عليه عمر كأنّه لا يريده وقال : أين ابن أخيك هذا ؟ أبحرمنا هو ؟ قال : نعم . قال : وأين يصاب ؟ قال : بأراك عرفات . قال : فركب عمر وعليّ سراعا إلى عرفات ، فإذا هو قائم يصلّي إلى شجرة والإبل حوله ترعى ، فشدّا حماريهما ثم أقبلا إليه « 2 » فقالا : السلام عليك ورحمة اللّه . فخفّف أويس الصلاة ثم قال : السلام عليكما ورحمة اللّه . قالا : من الرجل ؟ قال : راعي إبل وأجير قوم . قالا : لسنا نسألك عن الرّعاية ولا عن الإجارة ، ما اسمك ؟ قال : عبد اللّه . قالا : قد علمنا أنّ أهل السماوات والأرض كلّهم عبيد اللّه فما اسمك الذي سمّتك أمّك ؟ قال : يا هذان ! ما تريدان إليّ ؟ قالا : وصف لنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم أويسا القرني ، فقد عرفنا الصّهوبة والشّهولة ، وأخبرنا أنّ تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء فأوضحها لنا ، فإن كان بك فأنت هو .
--> ( 1 ) الآدم : الأسمر ؛ والأدمة : السّمرة . القاموس ( أدم ) . ( 2 ) في ( ل ) : « عليه » .