مجد الدين ابن الأثير

386

المختار من مناقب الأخيار

فجلست أنا إليه يوما فقال لي : أيّ شيء جلوسك عندي ؟ أيّ شيء تريد مني ؟ فقلت : لعلي أستفيد منك شيئا . فقال لي : يا هذا ! أنا رجل منذ أربعين سنة سائح في بلد الرّوم « 1 » ، فلما كان في هذا الوقت قيل لي : اخرج إلى ههنا . لا أدري أيّ شيء يراد بي ، ولعله الموت ، فما كان إلا أيام يسيرة حتى مات وصلّيت عليه « 2 » . وقال أبو علي الرّوذباري : دخلت يوما على أبي بكر الزّقّاق فرأيته بحال عجيبة ، فسكتّ ساعة حتى رجع ، فقلت له : مالك أيها الشيخ ؟ فقال : ألم تعلم أني اجتزت ببعض تلك الخوخات فإذا شخص يغنّي ويقول : أبت غلبات الشوق إلا تطرّبا * إليك ويأبى العذل إلا تجنّبا وما كان صدّي عنك صدّ ملالة * ولا ذلك الإقبال إلا تقرّبا « 3 » ولا كان ذاك العذل إلا نصيحة * ولا ذلك الإغضاء إلا تهيّبا عليّ رقيب منك حلّ بمهجتي * إذا رمت تسهيلا عليّ تصعّبا فما هو إلا أن أنشدني الشيخ حتى صرت بها مغلوبا لا أدري ما لحقني إلى الساعة ؛ فلما أفقت قال لي : يا أبا علي ! لا عليك ، هكذا من تحقّق في بليّة لم يخل من البلاء حاضروه ، إنما زيادة بلاء صبّ مني عليك . فقمت وتركته « 4 » . وقال أبو بكر الدّقّي : سألت الزّقّاق فقلت : لمن أصحب ؟ فقال : لمن

--> ( 1 ) في المنتقى لابن خميس : « في بلاد الروم » ، وزاد فيه عبارة لست على يقين من قراءتها وهي : « في بلاد الروم أصنع للأعداء هو كل من الجلان . . . » . ( 2 ) المنتقى لابن خميس 101 / ب . ( 3 ) رواية الشطر الأول في المنتقى لابن خميس هكذا : « وليس صدودي عنك صدّ ملالة . . » . ( 4 ) المنتقى لابن خميس 103 / أمختصرا واقتصر فيه على ذكر البيتين الأولين .