مجد الدين ابن الأثير

293

المختار من مناقب الأخيار

مصابة ، وكانت تمتنع من الطعام والشراب « 1 » ، وتشكو وجعا بجوفها . وكنّا نصف حالها لمتطبّبي الشام وهي تقول لنا : خلّوا بيني وبين الطبيب الراهب أحمد بن أبي الحواري أشكو إليه بعض ما أجد من بلائي فربما يكون عنده شفائي « 2 » . وقال : رأيت في المنام جارية ما رأيت أحسن منها ، يتلألأ وجهها ، فقلت لها : ما أنور وجهك ! فقالت : تذكر الليلة التي بكيت فيها ؟ قلت : نعم . فقالت : حملت إليّ دمعتك فمسحت بها وجهي فصار هكذا . وقال : إنّ رجلا جاءه يوما فقال له : يا أبا الحسن ! ولد لي البارحة مولود ، وما عندنا شيء ننفقه . فقال أحمد : ما أصبحت أملك شيئا غير هذين القميصين ، فخذ أحدهما . ثم نظر أيّهما أجدّ فقال : السّفلاني أجدّ من الفوقاني ، وهذا يبلغ ثمنا جيدا . ثم اعتزل إلى حائط المسجد ، فنزع القميص السّفلاني ولبس الفوقاني . فأخذه الرجل ومضى ؛ وخرج أحمد من باب جيرون « 3 » ، فلما صار على الدّرج لقيه رجل فسلّم عليه ، فقال له عمير ابن [ جوصا ] « 4 » : يقرأ عليك السلام ويقول لك : هذه ثلاثون دينارا انتفع بها . فقال أحمد : أعطيت قميصا وجّه إليّ بثلاثين دينارا ، ما هذه الغفلة ؟ ثم صرخ صرخة عظيمة ، فلو لم يمسكوه لتهشّم وجهه « 5 » . وقال : من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحبّ ، أخرج اللّه نور اليقين والزّهد من قلبه « 6 » .

--> ( 1 ) في الحلية : « وكان الذي يمنعها من الطعام » . ( 2 ) الحلية 10 / 11 . ( 3 ) باب جيرون : هو الباب الشرقي للجامع الأموي ، وفيه فوّارة ينزل عليها بدرج كثيرة في حوض من رخام وقبّة خشب يعلو ماؤها نحو الرمح . قاله ياقوت في معجم البلدان 2 / 199 . ( 4 ) ما بين معقوفين بياض في الأصل ( أ ، ل ) واستدركناه من طبقات ابن الملقّن ؛ وعمير هذا هو والد أحمد بن عمير بن يوسف محدّث الشام المشهور ، له ترجمة في سير أعلام النبلاء 15 / 15 . ( 5 ) ذكر الحكاية ابن الملقّن في طبقات الأولياء ص 34 . ( 6 ) طبقات الصوفية ص 100 والحلية 10 / 6 .