مجد الدين ابن الأثير

292

المختار من مناقب الأخيار

قال يحيى بن معين وذكر أحمد بن أبي الحواريّ : أظنّ أهل الشام يسقيهم اللّه الغيث به « 1 » . وقال محمود بن خالد وذكر أحمد بن أبي الحواري فقال : ما أظنّه بقي على وجه الأرض مثله « 2 » . وكان بين أحمد بن أبي الحواري وبين أبي سليمان الداراني عقد بأن لا يخالفه في شيء يأمره به ؛ فجاء يوما وأبو سليمان يتكلّم في مجلسه فقال : إنّ التنّور قد سجر فما تأمر ؟ فلم يجبه ، فقال مرّتين وثلاث ، فلما ألحّ عليه كأنّه ضاق قلبه فقال له : اذهب فاقعد فيه . ثم تغافل أبو سليمان واشتغل عنه ساعة ، ثم ذكر فقال : اطلبوا أحمد فإنّه في التنّور لأنه على عقد لا يخالفني . فذهبوا إليه ، وإذا به جالس في التنّور لم يحترق منه شعرة « 3 » . وقال : بينا أنا ذات يوم في بعض بلاد الشام في قبّة من قباب المقابر ، وإذا الحائط يدقّ ، فقلت : من هذا ؟ قالت : امرأة ضالّة ، دلّني على الطريق يرحمك اللّه . فقلت لها : عن أيّ طريق تسألين ؟ فبكت ثم قالت : يا أحمد ! عن طريق النجاة . قلت : هيهات ، إنّ بيننا وبين طريق النجاة عقابا لا تقطع إلا بالسّير الحثيث وتصحيح المعاملة ، وحذف العلائق الشاغلة من أمور الدنيا والآخرة . قال : فبكت بكاء شديدا ثم قالت : يا أحمد ! سبحان من أمسك عليك جوارحك فلم تتقطّع ، وحفظ عليك فؤادك فلم يتصدّع ! ثم خرّت مغشيّا عليها ، فقلت لبعض النساء : انظرن أيّ شيء حال هذه الجارية . فقمن إليها ففتّشنها ، وإذا وصيّتها مكتوبة في جيبها وفيها : كفّنوني في أثوابي هذه ، فإن كان لي عند اللّه خير فهو أسعد لي ، وإن كان غير ذلك فبعدا لنفسي . ثم حرّكوها فإذا هي ميتة ؛ فقلت : لمن هذه الجارية ؟ قالوا : جارية قرشية

--> ( 1 ) الحلية 10 / 22 وذكره الذهبي في السير 12 / 87 . ( 2 ) ذكره الذهبي في السير 13 / 87 . ( 3 ) مختصر تاريخ ابن عساكر 3 / 143 .