مجد الدين ابن الأثير
259
المختار من مناقب الأخيار
هيه يا أبا الحارث ! امش على الخاطر . فقلت : بسم اللّه ؛ فمشى هو على الماء ، وذهبت أمشي فغاصت رجلي ، فالتفت إليّ وقال : يا أبا الحارث ! العجّة أخذت برجلك « 1 » . وقال أبو الحارث : أقبلنا من جبل اللّكّام « 2 » مع أبي إسحاق العلويّ الزاهد ، وكان أبو إسحاق لا يأكل إلا في ثلاثة أيام سفّات خرنوب « 3 » ، فلقينا امرأة قد سخّر جنديّ حمارا لها ، فاستغاثت بنا ، فكلّمه العلويّ فلم يردّ عليها ، فدعا عليه ، فخرّ الجنديّ والمرأة والحمار ، ثم أفاقت المرأة ، ثم أفاق الحمار ، ومات الجندي ، فقلت : لا أصحبك ، فإنّك مستجاب الدّعوة ، وأخشى أن يبدو منّي سوء أدب فتدعو عليّ . فقال : لست تأمن ؟ قلت : لا . قال : فأقلل إذا من الدنيا ما استطعت « 4 » . وقال أبو الحارث : خرجت من مكة في غير أيّام الموسم أريد الشام ، فإذا أنا بثلاثة نفر على جبل ، فإذا هم يتذاكرون الدنيا ، فلما فرغوا أخذوا يعاهدون اللّه أن لا يمسّوا ذهبا ولا فضّة ، فتقدّمت وسلمت عليهم فقلت : وأنا أيضا معكم . فقالوا : إن شئت . فمشيت معهم إلى أن تفرّقوا ، فقال أحدهم : أمّا أنا فصائر إلى بلد كذا وكذا . وقال الآخر : أما أنا فصائر إلى بلد كذا وكذا . وبقيت أنا وآخر فقال لي : أين تريد ؟ فقلت : أريد الشام . قال : وأنا أريد اللّكّام ، وكان الرجل إبراهيم بن سعد العلوي ، فودّع بعضهم بعضا ، ومشيت أنا وهو أياما ، وافترقنا ، فمكثت حينا أنتظر أن يأتيني كتابه ، فما شعرت يوما وأنا بالأولاس وقد خرجت أريد البحر ، وصرت بين الأشجار ، إذا أنا برجل صافّ قدميه يصلّي على الماء ، فاضطرب قلبي كما
--> ( 1 ) الحلية 10 / 155 ، 156 وتاريخ بغداد 6 / 86 . ( 2 ) مضى تعريف اللكّام في ص 198 حاشية ( 1 ) . ( 3 ) مضى تعريف الخرنوب ص 216 الحاشية ( 3 ) من هذا الجزء . ( 4 ) صفة الصفوة 2 / 430 .