مجد الدين ابن الأثير
260
المختار من مناقب الأخيار
رأيته وعلاني له الهيبة ! فلما أحسّ بي أوجز في صلاته ، ثم التفت إليّ ، فإذا هو إبراهيم بن سعد فعرفته بعد ساعة فقال : هاه . فوبّخني وقال : اذهب فغيّب عني شخصك ثلاثة أيام ولا تطعم شيئا ، ثم ائتني . ففعلت ذلك ، ثم جئته بعد ثلاثة أيام وهو قائم يصلّي ، فلما أحسّ بي أوجز في صلاته ثم أخذ بيدي فوقّفني على البحر وحرّك شفتيه فقلت في نفسي : يريد أن يمشي بي على الماء ، ولئن فعل لأمشينّ معه . فما لبث إلا يسيرا ، فإذا الحيتان قد برزت مدّ البصر ، وقد أقبلت إلينا رافعة رءوسها ، فاتحة أفواهها ، فلما رأيتها قلت في نفسي : أين أبو بشر الصيّاد - إنسان كان بأولاس - عن هذه الساعة ؟ ! فإذا الحيتان قد تفرّقت كأنما طرح في وسطها حجر ، فالتفت إليّ فقال : فعلتها ؟ فقلت : إنما قلت كذا وكذا . فقال لي : مرّ ، لست مطلوبا بهذا الأمر ، ولكن عليك بهذه الرّمال والجبال والتخلّي فيها ووار نفسك ما أمكنك حتى يشغلك بذكره عن ذكر من سواه ، وتقلّل من الدنيا حتى يأتيك أمر اللّه ، فإني أراك بهذا الأمر مطالبا . ثم غاب عني ، فلم أره حتى مات . وكانت كتبه ترد عليّ ، فلما مات كنت قاعدا يوما فتحرّك قلبي للخروج من باب البحر ، ولم يكن لي حاجة فقلت : لا أكره القلب فيعمى « 1 » ، فخرجت فلما صرت في المسجد الذي على الباب إذا أنا بأسود ، فقام إليّ فقال : أنت أبو الحارث ؟ قلت : نعم . قال : آجرك اللّه في أخيك إبراهيم بن سعد - وكان هذا مولى له يسمّى ناصحا - « 2 » فذكر أنّ إبراهيم أوصاه أن يوصل إليّ هذه الرسالة فإذا فيها مكتوب : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، يا أخي ! إذا نزل بك أمر من فقر أو سقم أو أذى فاستعن باللّه ، واستعمل الرضا ، فإنّ اللّه مطّلع عليك ، يعلم ضميرك وما أنت عليه ، ولا بدّ أن ينفذ فيك حكمه ، فإن رضيت فلك الثواب الجزيل والأمن في الهول الشديد ،
--> ( 1 ) في الحلية : « فيغمني » . ( 2 ) في الحلية : « واضحا » .