مجد الدين ابن الأثير
234
المختار من مناقب الأخيار
عبادا صمّا سمعاء ، وبكما نطقاء ، وعميا بصراء ، سلكوا خلال دار الظالمين ، واستوحشوا مؤانسة الجاهلين ، وشابوا ثمرة العلم بنور الإخلاص ، وأقلعوا بريح اليقين حتى أرسوا بشطّ الصّدق ، هم واللّه عباد كحّلوا أبصارهم بسهر الليل ، فلو رأيتهم في ليلهم وقد نامت عيون الخلق وهم قيام على أطرافهم يناجون من لا تأخذه سنة ولا نوم . يا حنيفي ، عليك بطريقهم . قلت : فعلى الإسلام أنت ؟ قال : ما أعرف غير الإسلام دينا ، ولكن عهد إلينا المسيح عليه الصلاة والسلام ، ووصف لنا آخر زمانكم ، فخلّيت الدنيا ، وإنّ دينك جديد ولقد خلق « 1 » . قال بقية : فما أتى على إبراهيم شهر حتى هرب من الناس « 2 » . وقال إبراهيم بن بشار : كنت يوما من الأيام مارّا مع إبراهيم بن أدهم في صحراء ، فأتينا على قبر مسنّم ، فترحّم عليه وبكى فقلت : قبر من هذا ؟ قال : هذا قبر حميد بن جابر ، أمير هذه المدن كلّها ، كان غريقا في بحار الدنيا ثم أخرجه اللّه تعالى منها واستنقذه ، ولقد بلغني أنّه مرّ ذات يوم « 3 » بشيء من ملاهي ملكه ودنياه وغروره وفتنته ، فنام في مجلسه ذلك مع من يخصّه من أهله ، فرأى ملكا « 4 » واقعا على رأسه بيده كتاب ، فناوله ففتحه فإذا فيه كتاب بالذهب : لا تؤثرنّ فانيا على باق ، ولا تغترّنّ بملكك وقدرك « 5 » ، وسلطانك وخدمك وعبيدك ، ولذّاتك وشهواتك ، فإنّ الذي أنت فيه جسيم ، لولا أنه عديم ، وهو ملك لولا أنّ بعده هلك ، وهو فرح وسرور لولا أنه لهو وغرور ، وهو يوم لو كان يوثق له بغد ، فسارع إلى أمر اللّه ، فإنّ اللّه تعالى يقول : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
--> ( 1 ) في الحلية : « وإن خلق » . ( 2 ) الحلية 8 / 29 ، 30 . ( 3 ) في الحلية : « سرّ ذات يوم » ، وفي ( أ ) : « مرّ يوما » ، والمثبت من ( ل ) . ( 4 ) في الحلية : « رجلا » ، وسقطت اللفظة من ( ل ) . ( 5 ) في الحلية : « بقدرتك » ، والمثبت من ( أ ، ل ) .