مجد الدين ابن الأثير
196
المختار من مناقب الأخيار
وقال علي بن محمد الحلواني : كان إبراهيم الخوّاص جالسا في مسجده بالرّيّ ، وعنده جماعة ، إذ سمع ملاهي من الجيران ، فاضطرب من كان في المسجد ، فقالوا : ما ترى ؟ فخرج إبراهيم نحو الدار التي فيها المنكر ، فلما بلغ طرف الزّقاق إذا كلب رابض ، فلما قرب منه إبراهيم نبح عليه وقام في وجهه ، فرجع إلى المسجد ، وتفكّر ساعة ثم قام مبادرا ، وخرج يمرّ على الكلب فبصبص له « 1 » ، فلما قرب من باب الدار خرج إليه شابّ حسن الوجه وقال : أيها الشيخ ، لم انزعجت ؟ كنت وجّهت ببعض من عندك فأبلغ لك كلّ ما تريد ، وعليّ عهد اللّه وميثاقه لا شربت أبدا . وكسر جميع ما عنده من الشراب ، وآلته ، وصحب أهل الخير ولزم العبادة . ورجع إبراهيم إلى مسجده ، فلما جلس سئل عن خروجه في أول مرّة ورجوعه ، ثم خروجه في الثانية ، وما كان من أمر الكلب فقال : نعم ، إنما نبح عليّ الكلب لفساد كان قد دخل عليّ في عقد بيني وبين اللّه لم أتنبّه له في الوقت ، فلما رجعت إلى الموضع ذكرته فاستغفرت اللّه عزّ وجلّ منه ثم خرجت في الثانية فكان ما رأيتم ؛ وهكذا كلّ من خرج لإزالة منكر فتحرّك عليه شيء من المخلوقات فلفساد عقد بينه وبين اللّه عزّ وجلّ ، فإذا وقع الأمر على الصحة لم يتحرّك عليه شيء « 2 » . وقال أبو بكر الحربي : قلت لإبراهيم الخوّاص : حدّثني بأحسن شيء لقيته في البريّة . فقال : خرجت من مكة على طريق الجادّة ، وعقدت فيما بيني وبين اللّه تعالى أن لا أذوق شيئا أو انظر إلى القادسية . فلما صرت بالرّبذة ، إذا أنا بأعرابيّ يعدو وبيده السيف مسلول ، وبيده الأخرى قعب لبن « 3 » ، فصاح بي : يا إنسان ، فلم ألتفت إليه ، فلحقني فقال لي : اشرب
--> ( 1 ) بصبص الكلب : حرّك ذنبه . القاموس ( بصص ) . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 100 ، 101 . ( 3 ) القعب : القدح الضخم ، أو الذي يروي الرجل . القاموس ( قعب ) .