مجد الدين ابن الأثير

197

المختار من مناقب الأخيار

هذا وإلا ضربت عنقك . فقلت : هذا شيء ليس لي فيه شيء . وأخذت فشربته ، فلا واللّه إن عارضني شيء بعد ذلك ، إلى أن بلغت القادسية « 1 » . وقال همّام بن الحارث : سمعت إبراهيم الخواص يقول : ركبت البحر ، وكان معي في المركب رجل يهودي ، فتأمّلته أياما كثيرة ، فلا أراه يذوق شيئا ، ولا يتحرّك ولا ينزعج من مكانه ، ولا يتطهّر ولا يشتغل بشيء ، وهو ملتفّ بعباءة ، مطروح في زاوية ، لا يفاتح أحدا ولا ينطق ، فسألته وكلّمته ، فوجدته مجرّدا « 2 » متوكّلا يتكلّم فيه بأحسن كلام ، ويأتي بأكمل بيان ، فلما أنس بي وسكن إليّ قال لي : يا أبا إسحاق ، إن كنت صادقا فيما تدّعيه فالبحر بيننا حتى نعبر إلى الساحل . وكنّا في اللّجج ، فقلت في نفسي : واذلّاه إن تأخرت عن هذا الكافر ! فما كان بأسرع من أن زجّ نفسه في البحر ورميت نفسي خلفه ، وخرجنا « 3 » جميعا إلى الساحل ، فقال : يا إبراهيم ، نصطحب على أن لا نأوي إلى المساجد ولا البيع ولا الكنائس ولا العمران ؟ فقلت : لك ذلك . حتى أتينا مدينة ، فأقمنا على مزبلة ثلاثة أيام ، فلما كان في اليوم الرابع أتاه كلب وفي عنقه رغيفان ، فطرحهما بين يديه وانصرف ، فأكل ولم يقل لي شيئا ؛ ثم أتاني شابّ ظريف « 4 » ، حسن الوجه والبزّة ، طيّب الرائحة ، ومعه طعام في منديل ، فوضعه بين يدي وقال : كل . وغاب عني فلم أر له أثرا . فقلت لليهودي : هلم . فلم يفعل ، ثم أسلم وقال لي : يا إبراهيم ، أصلنا صحيح ، إلّا أنّ الذي لكم أحسن وأصلح وأظرف . وحسن إسلامه ، وصار أحد أصحابنا المتحققين بالتصوّف « 5 » .

--> ( 1 ) الحلية 10 / 329 . ( 2 ) انظر معنى التجريد ص 192 الحاشية ( 3 ) . ( 3 ) في الحلية : « فعبرنا جميعا » . ( 4 ) في الحلية : « ظريف نظيف » . ( 5 ) الخبر في الحلية 10 / 329 ، 330 .