مجد الدين ابن الأثير

132

المختار من مناقب الأخيار

وقال من كلام له : ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء ، في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن ساماها فاتته ، ومن قعد عنها واتته ، ومن أبصر بها بصّرته ، ومن أبصر إليها أعمته . [ خطبة في الدنيا ] وقال من خطبة له : انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها ، الصادفين عنها ، فإنها واللّه عمّا قليل تزيل الثاوي الساكن ، وتفجع المترف الآمن ، لا يرجع ما تولّى منها فأدبر ، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر ، سرورها مشوب بالحزن ، وجلد الرجال فيها إلى الضّعف والوهن ، فلا يغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها بقلّة ما يصحبكم منها . رحم اللّه امرأ تفكّر فاعتبر ، واعتبر فأبصر ، فكأنما هو كائن من الدنيا عما قليل لم يكن ، وكأنما هو كائن من « 1 » الآخرة عما قليل لم يزل ، وكلّ معدود منقض ، وكلّ متوقّع آت ، وكل آت قريب دان . وقال من خطبة : حتى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم ، واستخرجهم من جلابيب غفلتهم ، استقبلوا مدبرا واستدبروا مقبلا ، فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم ، ولا بما قضوا من وطرهم ، فإني أحذّركم ونفسي هذه المنزلة ، فلينتفع امرؤ بنفسه ، فإنما البصير من سمع فتفكر ، ونظر فأبصر ، وانتفع بالعبر ، ثم سلك جددا واضحا ، يتجنّب فيه الصّرعة في المهاوي ، والضلال في المغاوي « 2 » ، ولا يعين على نفسه الغواة بتعسّف في حقّ ، أو تحريف في نطق ، أو تخوّف من صدق ، فأفق أيّها السامع من سكرتك ، واستيقظ من غفلتك ، وضع فخرك ، واحطط كبرك ، واذكر قبرك ، فإنّ عليه ممرّك ، كما تدين تدان ، وكما تزرع تحصد ، وما قدمت اليوم تقدم عليه

--> ( 1 ) في ( أ ) : « في الآخرة » . ( 2 ) المغاوي من الأرضين : جمع مغواة ، وهي المضلّة . اللسان ومتن اللغة ( غوي ) .