مجد الدين ابن الأثير
133
المختار من مناقب الأخيار
غدا ، فامهد لقدمك ، وقدّم ليومك ، فالحذر الحذر أيها المستمع ! والجدّ الجدّ أيّها الغافل ! وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [ فاطر : 14 ] . وقال من خطبة : عباد اللّه ، اللّه اللّه في أعزّ الأنفس عليكم وأحبّها إليكم ، فإنّ اللّه قد أوضح « 1 » سبيل الحق ، وأنار طرقه ، فشقوة لازمة ، أو سعادة دائمة ، فتزوّدوا في أيام الفناء لأيام البقاء ، فقد دللتم على الزاد ، وأمرتم بالظّعن ، وحثثتم على المسير ، فإنما أنتم كركب وقوف ، لا يدرون متى يؤمرون بالسّير ، ألا فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة ، وما يصنع بالمال من عمّا قليل يسلبه ، وتبقى عليه تبعته وحسابه . عباد اللّه ، إنّ عليكم رصدا من أنفسكم ، وعيونا من جوارحكم ، وحفّاظ صدق يحفظون أعمالكم وعدد أنفاسكم ، لا يستركم منهم ليل داج ، ولا يكنّكم منهم باب ذو رتاج « 2 » ، وإنّ غدا من اليوم قريب ، يذهب اليوم بما فيه ، ويجيء الغد لاحقا به ، فكأنّ كلّ امرئ منكم قد بلغ من الأرض منزل وحدته ، ومحطّ « 3 » حفرته ، فيا له من بيت وحدة ، ومنزل وحشة ، ومفرد غربة ، وكأنّ الصيحة قد أتتكم ، والساعة قد غشيتكم ، وبرزتم لفصل القضاء ، قد زاحت عنكم الأباطيل ، واضمحلّت عنكم العلل ، واستحقّت بكم الحقائق ، وصدرت بكم الأمور مصادرها ، فاتعظوا بالعبر ، واعتبروا بالغير ، وانتفعوا بالنّذر . وقال من خطبة : أيها الناس ، اعتصموا بتقوى اللّه ، فإنّ لها حبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وبادروا الموت وغمراته ، وامهدوا له قبل حلوله ، وأعدّوا له قبل نزوله ، إنّ الغاية القيامة ، وكفى بذلك واعظا لمن عقل ، ومعتبرا لمن جهل . وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس ، وشدة الإبلاس ، وهول المطّلع ، وروعات الفزع ، واختلاف الأضلاع ، واستكاك الأسماع « 4 » ، وظلمة اللّحد ، وخيفة الوعد ، وغمّ الضريح ، وردم
--> ( 1 ) في ( أ ) : « أوضح عليكم سبيل . . . » . ( 2 ) في ( أ ) : « أرتاج » . ( 3 ) في نهج البلاغة 2 / 53 : « مخط » بالخاء المعجمة . ( 4 ) الاستكاك : الصّمم وذهاب السمع . النهاية ( سكك ) .