مجد الدين ابن الأثير

127

المختار من مناقب الأخيار

باللّه منتقما وبصيرا ، وكفى بالكتاب خصما وحجيجا ، وكفى بالجنة ثوابا ، وكفى بالنار وبالا وعقابا . وأستغفر اللّه لي ولكم « 1 » . وقال كميل بن زياد : أخذ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه بيدي فأخرجني إلى ناحية الجبّان ، فلما أصحرنا جلس ، ثم تنفّس ، ثم قال : يا كميل بن زياد ، القلوب أوعية ، فخيرها أوعاها . احفظ ما أقول لك : الناس ثلاثة ، فعالم ربّاني ، ومتعلّم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع « 2 » ، أتباع كلّ ناعق ، يميلون مع كلّ ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ، العلم خير لك من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، العلم يزكو على العمل ، والمال تنقصه النفقة ، العلم حاكم ، والمال محكوم عليه ، وصحبة « 3 » العالم دين يدان بها ، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد موته ، وصنيعة المال تزول بزواله ؛ مات خزّان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة . هاه إنّ هاهنا - وأشار بيده إلى صدره - علما لو أصبت له حملة ، بلى أصبته لقنا غير مأمون عليه ، يستعمل آلة الدين للدنيا ، يستظهر بحجج اللّه على كتابه ، وبنعمه على عباده ، أو معاندا « 4 » لأهل الحق ، لا بصيرة له في إحيائه ، يقتدح « 5 » الشكّ لقلبه بأول عارض من شبهة ، لا ذا ولا ذاك ، أو منهوما باللذّات ، سلس القياد للشهوات ، أو مغرى بجمع الأموال والادّخار ، ليسوا من دعاة الدين ، أقرب شبها بهم الأنعام السائمة ؛ كذلك يموت العلم بموت حامليه . اللهمّ بلى لن تخلو الأرض من

--> ( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 / 77 - 79 ، وابن الجوزي في صفة الصفوة 1 / 327 - 329 بنحوه مختصرا . ( 2 ) الرّعاع من الناس : غوغاؤهم وسقّاطهم وأخلاطهم ، الواحد : رعاعة . النهاية ( رعع ) . ( 3 ) في الحلية وصفة الصفوة : « ومحبة » . ( 4 ) في الحلية : « منقادا » . ( 5 ) في ( ل ) : « ينفتح » ، وفي صفة الصفوة : « ينقدح الشك في قلبه » .