مجد الدين ابن الأثير

128

المختار من مناقب الأخيار

قائم للّه بحجّة « 1 » ، لكي لا تبطل حجج اللّه وبيّناته ، هم الأقلّون عددا ، الأعظمون عند اللّه قدرا ، بهم يدفع اللّه عن حججه ، حتى يؤدّوها إلى نظرائهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر ، فاستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمنظر الأعلى ، أولئك خلفاء اللّه في بلاده ، ودعاته إلى دينه . آه ، آه ، شوقا إلى رؤيتهم ، وأستغفر اللّه لي ولك ؛ إذا شئت فقم « 2 » . وقال نوف البكاليّ : رأيت عليّ بن أبي طالب خرج فنظر في النجوم فقال : يا نوف ، أراقد أنت أم رامق « 3 » ؟ قلت : بل رامق « 3 » يا أمير المؤمنين . فقال : يا نوف ، طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ، أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا ، وترابها فراشا ، وماءها طيبا ، والقرآن والدعاء شعارا ودثارا ؛ يا نوف ، أوحى اللّه إلى عيسى صلّى اللّه عليه وسلم : مر بني إسرائيل أن لا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة ، وأبصار خاشعة ، وأيد نقيّة ، فإني لا أستجيب لأحد منهم ولأحد من خلقي عنده مظلمة « 4 » . وقال السّدّي عن أبي أراكة : صلّى علي رضي اللّه عنه الغداة ، ثم لبث في مجلسه حتى ارتفعت الشمس قيد رمح ، كأنّ عليه كآبة ، ثم قال : لقد رأيت أثرا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فما أرى أحدا يشبههم ، واللّه إن كانوا ليصبحون شعثا غبرا صفرا ، بين أعينهم مثل ركب المعزى « 5 » ، قد

--> ( 1 ) في ( ل ) : « بحججه » . ( 2 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 / 89 ، 80 وابن الجوزي في صفة الصفوة 1 / 329 - 231 . ( 3 ) في ( أ ) : « وامق » . ( 4 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 / 79 بأتمّ مما هنا . ( 5 ) يقال للمصلّي الذي أثّر السجود في جبهته بين عينيه : مثل ركبة العنز . اللسان ( ركب ) .