مجد الدين ابن الأثير

126

المختار من مناقب الأخيار

وأبصارا ينجلي « 1 » عن غشاها ، وأفئدة تفهم ما دهاها ، إنّ اللّه لم يخلقكم عبثا ، ولم يضرب عنكم الذكر صفحا ، بل أمدّكم بالنّعم السوابغ ، وأرفدكم بأرفد الرّوافد ، وأرصد لكم الجزاء في السرّاء والضرّاء ، فاتقوا اللّه عباد اللّه ، وجدّوا في الطلب ، وبادروا بالعمل [ قبل ] هاذم اللذّات ، فإنّ الدنيا لا يدوم نعيمها ، ولا تؤمن فجائعها ، غرور قاتل ، وسناد مائل ، فاتّعظوا عباد اللّه بالعبر ، واعتبروا بالآيات والنّذر « 2 » ، وانتفعوا بالمواعظ ، فكأن قد علقتكم مخالب المنيّة وضمّنتكم « 3 » بيت التراب ، ودهمتكم مفظعات الأمور بنفخة الصور ، وبعثرة القبور ، وسياقة المحشر ، وموقف الحساب بإحاطة قدرة الجبّار ، كل نفس معها سائق يسوقها لمحشرها ، وشاهد يشهد عليها بعملها ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ الزمر : 69 ] ؛ فارتجّت لذلك اليوم البلاد ، ونادى المناد ، وكان يوم التلاق ، وكشف عن ساق ، وكسفت الشمس ، وحشرت الوحوش ، وبدت الأسرار ، وهلكت الأشرار ، وبرّزت الجحيم ، لها كلب ولجب ، وقصيف رعد ، وتغيّظ ووعيد ، تأجّج جحيمها ، وغلى حميمها ، وتوقّد سمومها ، فلا ينفّس عن ساكنها ، ولا تنقطع حسراتها ، ولا تنقصم كبولها « 4 » ، معهم ملائكة يبشّرونهم بنزل من حميم ، وتصلية جحيم ، هم عن اللّه محجوبون ، ولأوليائه مفارقون ، وإلى النار منطلقون . عباد اللّه ، اتقوا اللّه تقيّة من كنع « 5 » فخشع ، ووجل فحذر ، وأبصر فازدجر ، فاحتثّ طلبا ، ونجا هربا ، وقدّم للمعاد ، واستظهر بالزّاد ، وكفى

--> ( 1 ) كذا في ( أ ، ل ) ، وفي الحلية وصفة الصفوة « لتجلو عن غشاها » . ( 2 ) في ( أ ) : « والنذور » . ( 3 ) في الحلية : « وضمكم » ، وفي صفة الصفوة : « وضمّنتم » . ( 4 ) كبول : جمع كبل ؛ وهو القيد من أي شيء كان . وتنقصم : تتكسّر وتتحطّم . اللسان ( كبل ، قصم ) ( 5 ) كنع : إذا قرب ودنا من الذل والتخضّع . النهاية ( كنع ) ؛ وفي الحلية : « كنع فخنع » .