مجد الدين ابن الأثير

125

المختار من مناقب الأخيار

وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف : 49 ] « 1 » . وقال الحسن : قال عليّ رضي اللّه عنه : طوبى لكلّ عبد نومة « 2 » عرف الناس ، ولم يعرفه الناس ، عرفه اللّه برضوان ، أولئك مصابيح الهدى ، يكشف اللّه عنهم كلّ فتنة مظلمة ، سيدخلهم اللّه في رحمة منه ، ليسوا بالمذاييع البذر « 3 » ، ولا الجفاة المرائين « 4 » . وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كانتفاعي بكتاب كتبه إليّ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه : أمّا بعد فإنّ المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، ويسرّه درك ما لم يكن ليفوته ، فليكن سرورك بمانلت من أمر آخرتك ، وليكن أسفك على ما فاتك منها وما نلت من دنياك ، فلا تكثرنّ به فرحا ، وما فاتك منها فلا تأس عليه حزنا « 5 » ، وليكن همّك فيما بعد الموت « 6 » . وقال علي بن الحسين : إنّ عليّا رضي اللّه عنه شيّع جنازة ، فلما وضعت في لحدها ضجّ « 7 » أهلها وبكوا فقال : ما تبكون ! أما واللّه لو عاينوا ما عاين ميّتهم لأذهلتهم معاينتهم عن ميتهم ، وإنّ لهم فيه لعودة ثم عودة ، حتى لا يبقى منهم أحد . ثم قام فقال : أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الذي ضرب لكم الأمثال ، ووقّت لكم الآجال ، وجعل لكم أسماعا تعي ما عناها ،

--> ( 1 ) أخرجه ابن الجوزي مطوّلا في صفة الصفوة 1 / 322 - 325 . ( 2 ) النّومة : الخامل الذكر ، الذي لا يؤبه له . وقيل : الغامض في الناس الذي لا يعرف الشر وأهله . ( 3 ) المذاييع : جمع مذياع ، من أذاع الشيء إذا أفشاه ؛ وقيل : الذين يشيعون الفواحش . والبذر : جمع بذور ، وهو الذي يبذر الكلام بين الناس كما تبذر الحبوب . النهاية ( ذيع ، بذر ) . ( 4 ) أخرجه ابن الجوزي في صفة الصفوة 1 / 325 . ( 5 ) في ( ل ) : « جزعا » . ( 6 ) أخرجه ابن الجوزي في صفة الصفوة 1 / 327 . ( 7 ) في الحلية وصفة الصفوة : « عجّ » .