مجد الدين ابن الأثير

55

المختار من مناقب الأخيار

حفصة فإنها زوجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو موجب لها لموضعها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فكلّموا عليّا فقال : لست بفاعل ذلك ، ولكن عليكم بأزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فإنّهنّ أمهات المؤمنين ، يجترئن عليه . قال الأحنف : فسألوا عائشة وحفصة رضي اللّه عنهما وكانتا مجتمعتين ، فقالت عائشة : إني سائلة ذلك أمير المؤمنين . وقالت حفصة : ما أراه يفعل ، وسيبين لك ذلك . فدخلتا عليه ، فقرّبهما وأدناهما ، فقالت عائشة : يا أمير المؤمنين ! أتأذن لي أكلّمك ؟ قال : تكلّمي يا أمّ المؤمنين . قالت : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مضى لسبيله ، إلى جنة اللّه ورضوانه ، لم يرد الدنيا ولم ترده ، وكذلك مضى أبو بكر على أثره لسبيله ، بعد إحياء سنن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقتل الكذّابين ، وإدحاض حجّة المبطلين ، وبعد عدله في الرعية ، وقسمه في السوية « 1 » ، وإرضاء ربّ البريّة ، فقبضه اللّه إلى رحمته ورضوانه ، وألحقه بنبيّه صلّى اللّه عليه وسلم بالرفيق الأعلى ، لم يرد الدنيا ولم ترده ، وقد فتح اللّه على يديك كنوز كسرى وقيصر وديارهما ، وحمل إليك أموالهما ، ودانت لك طرفا المشرق والمغرب ، ونرجو من اللّه المزيد ، وبالإسلام التأييد ، ورسل العجم يأتونك ، ووفود العرب يردون عليك ، وعليك هذه الجبّة ، قد رقعتها اثنتي عشرة رقعة ! فلو غيّرتها بثوب ليّن ، يهاب فيه منظرك ، ويغدى عليك بجفنة من الطعام ويراح عليك بجفنة « 2 » ، تأكل أنت ومن حضرك من المهاجرين والأنصار . فبكى عمر رضي اللّه عنه عند ذلك بكاء شديدا ثم قال : سألتك باللّه ، هل تعلمين أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شبع من خبز برّ عشرة أيام أو خمسة أو ثلاثة ؟ أو جمع بين غداء وعشاء حتى لحق باللّه ؟ قالت : لا . فأقبل على عائشة فقال : هل تعلمين أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قرّب إليه طعام على مائدة في ارتفاع شبر من الأرض ؟ كان يأمر « 3 » بالطعام فيوضع على الأرض ،

--> ( 1 ) في تاريخه ابن عساكر والكنز : « بالسوية » . ( 2 ) قوله : « من الطعام . . . بجفنة » ليس في ( ل ) . ( 3 ) في ( أ ، ل ) : « يؤمر » والمثبت من تاريخ ابن عساكر والكنز .