مجد الدين ابن الأثير

56

المختار من مناقب الأخيار

ويأمر بالمائدة فترفع ؟ قالتا : اللهمّ نعم . فقال لهما : أنتما زوجتا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وأمهات المؤمنين ، ولكما على المؤمنين حقّ ، وعليّ خاصّة ، ولكن أتيتماني ترغّباني في الدنيا ، وإني لأعلم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لبس جبّة من الصوف ، فربما حكّ جلده من خشونتها أتعلمان ذلك ؟ قالتا : اللهم نعم . قال : فهل تعلمين أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يرقد على عباءة على طاقة واحدة ؟ وكان مسح « 1 » في بيتك يا عائشة ، يكون بالنهار بساطا وبالليل فراشا ، فندخل عليه فنرى أثر الحصير على جنبه . ألا يا حفصة أنت حدّثتيني أنك ثنيت « 2 » المسح له ذات ليلة فوجد لينها ، فرقد عليه فلم يستيقظ إلا بأذان بلال فقال لك : « يا حفصة ! ما ذا صنعت ؟ أثنيت المهاد حتى ذهب بي النوم إلى الصباح ؟ مالي [ والدنيا ] وما للدنيا ومالي شغلتموني بلين الفراش » ؟ أما تعلمين يا حفصة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان مغفورا له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ؟ أمسى جائعا ، ورقد ساجدا ، ولم يزل راكعا وساجدا وباكيا ومتضرّعا في آناء الليل والنهار إلى أن قبضه اللّه إلى رحمته ورضوانه ؟ لا أكل عمر طيّبا ولا لبس ليّنا ، فله أسوة بصاحبيه ، ولا جمع بين أدمين إلا الملح والزيت ، ولا أكل لحما إلا في كلّ شهر حتى ينقضي من قضى من القوم « 3 » . فخرجنا فخبّرتا بذلك أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلم يزل كذلك حتى لحق باللّه عزّ وجل . وقال الحسن القردوسي قال : لقي عمر رضي اللّه عنه أبا ذر رضي اللّه عنه ، فأخذ بيده فعصرها ، فقال أبو ذر : دع يدي يا قفل الفتنة . فعرف عمر

--> ( 1 ) المسح : البلاس ، أو الكساء من الشعر . اللسان ( مسح ) . ( 2 ) في ( ل ) : « أثنيتي » . ( 3 ) أخرجه ابن عساكر في تاريخه 53 / 249 - 251 وذكره صاحب الكنز 12 / 637 - 641 ، وما مر بين معقوفين منه .