ابن الجوزي
87
صفة الصفوة
الفناء لتساقطت القلوب منهم حزنا ، ولو رأت العقول بعيون الإيمان نزهة الجنة لذابت النفوس شوقا ، ولو أدركت القلوب كنه المحبة لخالقها لانخلعت مفاصلها ولها « 1 » ، ولطارت الأرواح إليه من أبدانها دهشا ، سبحان من أغفل الخليقة عن كنه « 2 » هذه الأشياء ، وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه الأنباء . الحسن بن علي قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : الليل طويل فلا تقصّره بمنامك ، والنهار نقيّ فلا تدنّسه بآثامك . عبد اللّه بن سهل قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول حفّت الجنة بالمكاره وأنت تكرهها ، وحفّت النار بالشهوات وأنت تطلبها ، فما أنت إلا كالمريض الشديد الداء ، إن صبّر نفسه على مضض الدواء اكتسب بالصّبر عافية وإن جزعت نفسه مما يلقى طالت به علّة الضّنا . عبد اللّه بن محمد بن وهب قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : ألا إن العاقل المصيب من عمل ثلاثا : ترك الدنيا قبل أن تتركه ، وبنى قبره قبل أن يدخله ، وأرضى ربه قبل أن يلقاه . وسمعته يقول : الدنيا خراب ، وأخرب منها قلب من يعمرها ، والآخرة دار عمران ، وأعمر منها قلب من يطلبها . وسمعته يقول : أخوك من عرّفك العيوب ، وصديقك من حذّرك من الذنوب . وسمعته يقول : عجبت ممن يحزن على نقصان ماله كيف لا يحزن على نقصان عمره . وسمعته يقول : على قدر خوفك من اللّه يهابك الخلق ، وعلى قدر حبّك للّه يحبك الخلق ، وعلى قدر شغلك باللّه يشتغل الخلق بأمرك . محمد بن محمود السمرقندي قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : إن قال لي يوم القيامة : عبدي ، ما غرّك بي ؟ قلت : إلهي برّك بي .
--> ( 1 ) الوله : ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد . ( 2 ) كنه الشيء نهايته يقال : أعرفه كنه المعرفة .