ابن الجوزي

68

صفة الصفوة

ذكر المصطفيات من عابدات البحرين 654 - منيفة بنت أبي طارق مسمع بن عاصم المسمعي قال : كانت بالبحرين امرأة عابدة يقال لها منيفة ، فكانت إذا هجم الليل عليها قالت : بخ بخ يا نفس قد جاء سرور المؤمن ، فتتحزّم وتلبس وتقوم إلى محرابها فكأنها الجذع القائم حتى تصبح ؛ فإذا أصبحت وأمكنت الصلاة فإنما هي في صلاة حتى ينادى بالعصر ، فإذا صلّت العصر هجعت « 1 » إلى غروب الشمس هذا دأبها ، قيل لها : لو جعلت هذه النومة في الليل كان أهدأ لبدنك ، فقالت : لا واللّه لا أنام في ظلمة الليل ما دمت في الدّنيا . قال أبو سفيان فحدّثني رجل من أهلها قال : فمكثت كذلك أربعين سنة ثم ماتت . قال أبو سفيان : فحدثني رجل من البحرين يقال له عامر بن مليك قال : رأيت منيفة بعد موتها في منامي فقلت : يا منيفة ما حال الناس هناك ؟ فأقبلت عليّ وقالت : عن أيّ حالهم تسأل ؟ الدار واحدة لأهل الطاعة يتعالون فيها بالأعمال ، ولا تسأل عن حال أهل النار . قال : فبكيت واللّه من قولها لا تسأل عن حال أهل النار . ثم ولّيت فأتبعتني صوتا : يا عامر عليك بالجد والاجتهاد لعلّك أن تجري في مساعي السابقين غدا . قال عامر : فمرضت واللّه من هذه الرؤيا شهرا . قال أبو سيّار : وحدثني عامر بن مليك البحراني عن أمه قالت : بتّ ذات ليلة عند منيفة ابنة أبي طارق فما زادت على هذه الآية من أول الليل إلى آخره تردّدها وتبكي [ وتقول ] وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ سورة آل عمران آية 101 ] .

--> ( 1 ) الهجوع : النوم ليلا وبابه خضع ، والتهجاع : النومة الخفيفة ، ويقال : أتيت فلانا بعد هجعة أي بعد نومة خفيفة من الليل .