ابن الجوزي

52

صفة الصفوة

قال : فإذا أحسّ بإنسان أمسك . قال : فخرجت ذات ليلة إلى الساحل فإذا أنا بصوته وإذا هو يبكي ويقول في بكائه : ألا يا عين ويحك أسعديني * بطول الدّمع في ظلم الليالي لعلّك في القيامة أن تفوزي * بخير الدّهر في تلك العلالي قال فلما أحسّ أمسك فرجعت وتركته . 635 - عابد آخر سلم بن زرعة بن حماد أبو المرضي ، شيخ بعبّادان له عبادة وفضل ، قال : ملح الماء عندنا منذ نيّف وستّين سنة وكان ههنا رجل من أهل الساحل له فضل قال : ولم يكن في الصهاريج شيء وحضرت المغرب فهبطت لأتوضّأ للصلاة من النهر ، وذلك في رمضان وحرّ شديد فإذا أنا به وهو يقول : سيدي أرضيت عملي حتى أتمنى عليك أم رضيت طاعتي حتى أسألك ؟ سيّدي غسالة الحمّام لمن عصاك كثير ، سيّدي لولا أني أخاف غضبك لم أذق الماء ولقد أجهدني العطش . قال : ثم أخذ بكفيه فشرب شربا صالحا فتعجّبت من صبره على ملوحته فأخذت من الموضع الذي أخذ فإذا هو بمنزلة السكّر فشربت حتى رويت . قال أبو المرضي : فقال لي هذا الشيخ يوما : رأيت فيما يرى النائم كأن رجلا يقول لي : قد فرغنا من بناء دارك لو رأيتها قرّت عيناك وقد أمرنا بنجدها « 1 » والفراغ منها إلى سبعة أيام واسمها السّرور ، فأبشر بخير فلما كان اليوم السابع وهو يوم الجمعة بكر للوضوء فنزل في النهر وقد مدّ « 2 » فزلق فغرق فأخرجناه بعد الصلاة فدفنّاه . قال أبو المرضي فرأيته بعد ثالثة في النوم وهو يجيء إلى القنطرة وهو يكبّر وعليه حلل خضر فقال لي : يا أبا المرضي أنزلني الكريم دار السرور فما أعدّ لي فيها ؟ فقلت : صف لي فقال : هيهات يعجز الواصفون عن أن تنطق ألسنتهم بما فيها ،

--> ( 1 ) أي تزيينها . ( 2 ) أي زاد ماؤه .