ابن الجوزي
43
صفة الصفوة
هاك رحمك اللّه هذا الشيء فأنفقيه على نفسك وعلى أيتامك . فقالت : إليك عني يا حمّاد فإني إنما أسأل أجود الأجودين . عفان بن مسلم قال : قال لي حمّاد بن سلمة : ألحّ المطر علينا سنة من السنن ، وفي جواري امرأة من المتعبّدات ، لها بنات أيتام ، فوكف السّقف « 1 » عليهم فسمعتها تقول : يا رفيق ارفق بي . فسكن المطر ؛ فأخذت صرّة فيها عشرة دنانير وقرعت بابها . فقالت : اجعله حمّاد بن سلمة . فقلت : أنا حمّاد ، سمعتك وقد تأذّيت بالمطر فقلت يا رفيق ارفق بنا ، فما بلغ من رفقه بك ؟ فقالت : سكّن المطر وأدفأ الصّبيان وجفّف البيت . ( قال ) فأخرجت الدنانير وقلت : انتفعي بهذه . فإذا صبيّة عليها مدرعة من صوف تستبين خروقها ، قد خرجت عليّ وقالت : ألا تسكت يا حماد تعترض بيننا وبين ربنا ومولانا ؟ ثم قالت : يا أماه قد علمنا أنا لما شكونا مولانا أنه سيبعث إلينا بالدنيا ليطردنا من بابه ألصقت خدّها بالتراب ثم قالت : أمّا أنا وعزّتك لا زايلت بابك وإن طردتني . ثم قالت : يا حمّاد ردّ عافاك اللّه دنانيرك إلى الموضع الذي أخرجتها منه فإنا رفعنا حوائجنا إلى من يقبل الودائع ولا يبخس المعاملين . عن عبيد اللّه بن محمد القرشي قال : كانت امرأة من عبّاد أهل البصرة ، وكان لها أولاد فأصابها مطر في بعض الليل فوكف عليها البيت ، فجعلت تنقل أولادها من موضع إلى موضع ، فلا يزداد الوكف إلّا شدة . فلما أذلقها ذلك « 2 » قالت : يا رفيق ارفق بي . قال : فما أصابها من ذلك المطر قطرة واحدة .
--> ( 1 ) يقال : وكف البيت أي قطر وبابه وعد . ( 2 ) أي ضايقها ذلك .