ابن الجوزي
44
صفة الصفوة
ومن المصطفيات من عاقلات المجانين بالبصرة 628 - جارية عن عبد الواحد قال . قال عتبة الغلام . خرجت من البصرة فإذا أنا بخباء أعراب قد زرعوا ، وإذا أنا بخيمة ، وفي الخيمة جارية مجنونة عليها جبّة صوف عليها مكتوب : لا تباع ولا تشترى . فدنوت فسلّمت عليها فلم تردّ عليّ السلام ، ثم ولّيت . فسمعتها تقول : زهد الزّاهدون والعابدونا * إذ لمولاهم أجاعوا البطونا أسهروا الأعين القريحة فيه * فمضى ليلهم وهم ساهرونا حيّرتهم محبّة اللّه حتّى * علم الناس أن فيهم جنونا هم ألبّا ذوو عقول ولكن * قد شجاهم جميع ما يعرفونا قال : فدنوت إليها فقلت : لمن الزّرع ؟ فقالت : لنا إن سلم . فتركتها وأتيت بعض الأخبية فأرخت السماء كأفواه القرب . فقلت : واللّه لآتينّها فأنظر قصّتها في هذا المطر ، فإذا أنا بالزّرع قد غرق وإذا هي قائمة وهي تقول : والذي أسكن قلبي من طرف صفاء مودّة محبته إن قلبي ليوقن منك بالرضا . ثم التفتت إلي فقالت : يا هذا إنه زرعه فأنبته وأقامه فسنبله وركّبه فشقّقه وأرسل عليه غيثا متغطمطا « 1 » فسقاه ، واطّلع عليه فحفظه فلما دنا حصاده أهلكه . ثم رفعت رأسها نحو السماء فقالت : العباد عبادك ، وأرزاقهم عليك ، فاصنع ما شئت فقلت لها : كيف صبرك ؟ فقالت : اسكت يا عتبة : إنّ إلهي لغنيّ حميد * في كلّ يوم منه رزق جديد الحمد للّه الذي لم يزل * يفعل بي أكثر مما أريد قال عتبة : فو اللّه ما ذكرت كلامها إلا هيجتني - انتهى ذكر أهل البصرة .
--> ( 1 ) أي عظيما .