ابن الجوزي

328

صفة الصفوة

تحسن تقرأ ؟ قلت : نعم . فقرأت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . كهيعص [ سورة مريم آية 1 ] فشهق شهقة خرّ مغشيا عليه ، ثم أفاق فقال : ويحك تدري ما قرأت ؟ كاف من كاف ، وهاء من هاد ، وعين من عليم ، وصاد من صادق ، فإذا كان معي كاف وهاد وعليم وصادق ما أصنع بزاد وراحلة ؟ ثم ولّى وهو يقول : يا طالب العلم ها هنا وهنا * ومعدن العلم بين جنبيكا إن كنت ترجو الجنان تسكنها * فمثّل العرض نصب عينيكا إن كنت ترجو الحسان تخطبها * فأسبل الدمع فوق خدّيكا وقم إذا قام كلّ مجتهد * وادعه كيما يقول لبّيكا 954 - عابد آخر وبالإسناد قال عمر بن بحر : وسمعت أبا الفيض يقول : كنت في تيه بني إسرائيل أريد الحج فرأيت غلاما أمرد على المحجّة « 1 » يؤمّ البيت العتيق بلا زاد ولا راحلة . فقلت لرفيقي : إن كان مع هذا الغلام يقين وإلا هلك . فلحقته فقلت : يا فتى . فقال : لبّيك . فقلت : في مثل هذا الموضع ، في هذا الوقت ، بلا زاد ولا راحلة ؟ قال : فنظر إليّ ثم قال : يا شيخ ارفع رأسك ، انظر هل ترى غيره ؟ فقلت : يا حبيبي اذهب إلى حيث شئت . 955 - عابد آخر قال ذو النون : حججت سنة إلى بيت اللّه الحرام فضللت عن الطريق ولم يكن معي ماء ولا زاد فأشرفت على الهلكة ، فلاحت لي أشجار كثيرة ومحراب ، فطرحت نفسي في ظل شجرة . فلما غربت الشمس إذا أنا بشاب متغيّر اللون نحيل يؤمّ المحراب ، فركل برجله ربوة من الأرض فظهرت عين تبضّ بماء عذب . فشرب وتوضأ وقام في محرابه فقمت إلى العين فشربت ماء عذبا وتوضأت وقمت أصلي بصلاته ، حتى برق عمود الصبح ، فلما رأى الصبح وثب قائما على قدميه ونادى

--> ( 1 ) أي وسط الطريق .