ابن الجوزي

329

صفة الصفوة

بأعلى صوته : ذهب الليل بما فيه ، وأقبل النهار بدواهيه ولم أقض من خدمتك وطرا ، آه ، خسر من أتعب ، لغيرك بدنه ، وألجأ إلى سواك هممه . فلما أراد أن يمضي ناديته : بالذي منحك لذيذ الرغب وأذهب عنك ملال التعب إلا خفضت لي جناح الرحمة فإني غريب أريد البيت الحرام وقد ضللت . فقال : يا بطّال وهل قطع بوفده دون البلوغ إليه ؟ ثم قال : اتبعني فرأيت الأرض تطوى من تحت أرجلنا حتى رأيت المحجّة وسمعت ضجّة فقال : ها قومك . ثم أنشأ يقول : من عامل اللّه بتقواه * وكان في الخلوة يرعاه سقاه كأسا من صفا حبّه * يسلبه لذّة دنياه فأبعد الخلق وأقصاهم * وانفرد العبد بمولاه ومن المصطفين الذين لقوا عند الإحرام 956 - عابد عبد اللّه بن الجلّاء قال : كنت بذي الحليفة وأنا أريد الحج والناس يحرمون ، فرأيت شابا قد صبّ عليه الماء يريد الإحرام وأنا انظر إليه . فقال يا رب أريد أن أقول : لبيك اللهم لبيك ، وأخشى أن تجيبني لا لبّيك ولا سعديك . وبقي يردّد هذا القول مرارا كثيرا وأنا أتسمع عليه . فلما أكثر قلت له : ليس لك بدّ من الإحرام فقل فقال : يا شيخ أخشى إن قلت لبّيك اللهم لبيك أجابني بلا لبّيك ولا سعديك . فقلت له : أحسن ظنّك وقل معي : لبّيك اللهم لبّيك . فقال : لبّيك اللهم . وطوّلها ، وخرجت نفسه مع قوله اللهم ، فسقط ميتا . ذكر المصطفين من العباد الذين لقوا بعرفة 957 - عابدان عن ثابت البناني قال : إنا لوقوف بجبل عرفة فإذا شابان عليهما العباء القطوانيّ « 1 » ، نادى أحدهما صاحبه : يا حبيب ، فأجابه الآخر : لبّيك أيها المحب .

--> ( 1 ) نسبة إلى قطوان وهو موضع بالكوفة وأيضا اسم قرية من قرى سمرقند .