ابن الجوزي

318

صفة الصفوة

ذكر المصطفيات من عابدات العرب وأهل البادية المجهولات الأسماء 936 - عابدة من بني عبد القيس عن أبي بكر الهذلي قال : كانت عجوز من بني عبد القيس متعبدة . فكانت تقول : عاملوا اللّه على قدر نعمه عليكم وإحسانه إليكم ، فإن لم تطيقوا فعلى قدر ستره ، فإن لم تطيقوا فعلى الحياء منه فإن لم تطيقوا فعلى الرجاء لثوابه ، فإن لم تطيقوا فعلى خوف عقابه . عن أبي بكر الهذلي قال : كانت عجوز في عبد القيس متعبّدة فكان إذا جاء الليل تحرمت ثم قامت إلى المحراب . وكانت تقول المحب لا يسأم من خدمة حبيبه ، فإذا جاء النهار خرجت إلى القبور . فبلغني أنها عوتبت في كثرة إتيانها المقابر ، فقالت : إن القلب القاسي إذا جفا لم يليّنه إلا رسوم البلى ، وإني لآتي القبور فكأني انظر وقد خرجوا من بين أطباقها ، وكأني انظر إلى تلك الوجوه المتعفّرة وإلى تلك الأجسام المتغيرة وإلى تلك الأكفان الدّسمة . فيا له من منظر كريه لو أشربه العباد قلوبهم ما أثكل مرارته للأنفس وأشدّ إتلافه للأبدان . 937 - عابدة أخرى الأصمعي قال : مات ابن لأعرابية فما زالت تبكي حتى خدّ الدمع في خدّها . ثم استرجعت فقالت : اللهم إنك قد علمت فرط حنوّ الوالدين على ولدهما فلذلك لم تأمرهما ببرة ، وقد علمت قدر عقوق الولد لوالديه من أجل ذلك حضضته على طاعتهما ، وألزمته برّهما . وقد كان ولدي من البرّ بوالديه على ما يكون الوالدان بولدهما ، فأجره بذلك مني صلاة ولقّه سرورا ونضرة . فقال لها أعرابي : نعم ما دعوت له ، لولا أنك شبته من الجزع بما لا يجدي عليه . فقالت : إذا وقعت الضرورات لم يجر عليها حكم المكتسبات ، وجزعي على ابني غير ممكن في الطاقة صرفه ، ولا في القدرة منعه ، واللّه ولي عذري بفضله فقد قال عزّ وجل : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ سورة البقرة آية 173 ] .