ابن الجوزي

319

صفة الصفوة

938 - عابدة أخرى أبو عبد الرحمن القرشي ، عن رجل من بني ثعلب ، قال : شهدت امرأة من أهل البادية توصي أبنا لها وأراد سفرا فقالت : يا بنيّ أوصيك بتقوى اللّه ، فإن قليلها أجدى عليك من كثير عقلك وإيّاك والنمائم فإنها تزرع الضغائن وتفرّق بين المحبين ، ومثّل لنفسك ما تستحسنه من غيرك مثالا ثم اتخذه إماما واعلم أنه من جمع بين الحياء والسخاء فقد استجاد الحلّة إزارها ورداءها . 939 - عابدة أخرى الصّلت بن حكيم قال : حدّثني ابن السماك أن نفرا وردوا على عجوز في بعض البوادي يسألونها بيع شاة . فقالت : ما كنت لأبيع ابن السبيل شيئا ، ولكن خذوها على ما عند اللّه ، ثم بكى أبو العباس يعني ابن السماك ، وقال : رحمها اللّه فقهت في بدوها . 940 - عابدة أخرى أبو بكر الشيرازي قال : تهت في بادية العراق أياما كثيرة فلم أجد شيئا أرتفق به ، فلما كان بعد أيام رأيت في الفلا خباء شعر مضروبا فقصدته فإذا بيت وعليه ستر مسبل ، فسلمت فردّت عليّ عجوز من داخل الخباء وقالت : يا إنسان من أين أقبلت ؟ قلت : من مكة قالت : وأين تريد ؟ قلت : الشام . فقالت : أرى شبح إنسان بطال ألا لزمت زاوية تجلس فيها إلى أن يأتيك اليقين ؟ ثم تنظر هذه الكسرة من أين تأكلها ؟ ثم قالت : تقرأ القرآن ؟ قلت : نعم فقالت : اقرأ عليّ آخر سورة الفرقان فقرأتها فشهقت وأغمي عليها فلما أفاقت بعد هويّ قرأت هي الآيات فأخذت مني قراءتها أخذا شديدا . ثم قالت : يا إنسان اقرأها ثانية فقرأتها فلحقها مثل ما لحقها في الأول ، وصبرت أكثر من ذلك ولم تفق ، فقلت : أستكشف حالها ماتت أم لا ؟ فتركت البيت على حاله ومشيت أقلّ من نصف ميل فأشرفت على واد فيه أعراب فأقبل إليّ غلامان معهما جارية ، فقال أحد الغلامين : يا إنسان أتيت البيت في الفلاة ؟ قلت : نعم ، قال : وتقرأ القرآن ؟ قلت : نعم . قال : قتلت العجوز ورب الكعبة . فمشيت مع الغلامين حتى أتينا البيت فدخلت الجارية فكشفت عنها فإذا