ابن الجوزي
301
صفة الصفوة
قال : ثم صاح صيحة أفزعني فوثبت وسقط مغشيّا عليه . فتركته على تلك الحال ومضيت . 900 - عابد آخر بلغنا عن عبد الواحد بن زيد أنه قال : ركبنا في مركب فطرحتنا الريح إلى جزيرة ، فإذا فيها رجل يعبد صنما ، فقلنا له : من تعبد ؟ فأومأ إلى الصنم . فقلنا : إن معنا في المركب من يسوّي مثل هذا . ليس هذا بإله يعبد . قال : فأنتم لمن تعبدون ؟ قلنا : اللّه عزّ وجل قال : وما اللّه ؟ قلنا : الذي في السماء عرشه ، وفي الأرض سلطانه ، وفي الأحياء والأموات قضاؤه فقال : كيف علمتم به ؟ قلنا : وجّه هذا الملك إلينا رسولا كريما فأخبرنا بذلك . قال : فما فعل الرسول ؟ قلنا : لما أدّى الرسالة قبضه اللّه . قال : فما ترك عندكم علامة ؟ قلنا : بلى ترك عندنا كتاب الملك . قال : أروني كتاب الملك ، فينبغي أن تكون كتب الملوك حسانا . فأتيناه بالمصحف فقال : ما أعرف هذا . فقرأنا عليه سورة من القرآن فلم نزل نقرأ ويبكي حتى ختمنا السورة . فقال : ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يعصى . ثم أسلم وحملناه معنا وعلمناه شرائع الإسلام وسورا من القرآن . فلما جنّ علينا الليل وصلينا العشاء أخذنا مضاجعنا . فقال لنا : يا قوم هذا الإله الذي دللتموني عليه إذا جنّ عليه الليل ينام ؟ قلنا : لا يا عبد اللّه ، هو عظيم قيّوم لا ينام . قال : بئس العبيد أنتم ، تنامون ومولاكم لا ينام . فأعجبنا كلامه . فلما قدمنا عبّادان قلت لأصحابي : هذا قريب عهد بالإسلام فجمعنا له دراهم وأعطيناه فقال : ما هذه ؟ قلنا : تنفقها ، قال لا إله إلا اللّه ، دللتموني على طريق ما سلكتموها ، أنا كنت في جزائر البحر أعبد صنما من دونه ولم يضيّعني - يضيّعني وأنا أعرفه . فلما كان بعد أيام قيل لي : إنه في الموت . فأتيته فقلت : هل من حاجة ؟ فقال : قضى حوائجي من جاء بكم إلى جزيرتي . قال عبد الواحد : فحملتني عيني فنمت عنده . فرأيت مقابر عبّادان روضة وفيها قبة وفي القبة سرير عليه جارية لم نر أحسن منها . فقالت : سألتك باللّه إلا ما عجّلت به فقد اشتدّ شوقي إليه ، فانتبهت فإذا به قد فارق الدنيا فغسّلته وكفّنته وواريته . فلما جنّ الليل نمت فرأيته في القبة مع الجارية وهو يقرأ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ . سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [ سورة الرعد آية 23 و 24 ] .