ابن الجوزي

294

صفة الصفوة

لست أنساك فلا تنسني . ثم مضى وتركني . قال بشر : فلقيت عيسى بنت يونس فحدثته بقصته فقال لي : لقد أنس بك ذلك الرجل الصالح ، إنه رجل من خيار الناس يأوي في الجبل وإنما يدخل إلى المدينة في كل جمعة لصلاة الجمعة ويبيع في ذلك اليوم حطبا يكفيه إلى الجمعة الأخرى ، وعجبا له كيف كلّمك ؟ لقد حفظت عنه كلاما حسنا . 888 - عابد آخر ابن مسروق قال : سمعت سريّا يقول : بينا نحن نسير في بلاد الشام ملنا عن الطريق ناحية جبل عليه عابد ، فقال رجل من القوم : إنا قد ملنا عن الطريق ، وها هنا عابد فميلوا بنا إليه نسأله ، لعل اللّه عزّ وجل يوفقه يكلمنا . فملنا إليه فوجدناه يبكي . قال سري : فقلت له ما أبكى العابد ؟ قال : ما لي لا أبكي ؟ وقد توعّرت الطريق وقلّ السالكون فيها ، وهجرت الأعمال وقلّ الراغبون فيها ، وقلّ الحق ودرس هذا الأمر فلا أراه إلا في لسان كل بطّال ينطق بالحكمة ، ويفارق الأعمال ، قد افترش الرّخصة ، وتمهّد التأويل ، واعتلّ بزلل العاصين . ثم صالح صيحة وقال : كيف سكنت قلوبهم إلى روح الدنيا ، وانقطعت عن روح ملكوت السماء ؟ ثم جعل يقول : وا غماه من فتنة العلماء ، وا كرباه من حيرة الأدلّاء . وجال جولة ثم قال : أين الأبرار من العلماء ؟ بل أين الأخيار من الزهاد ؟ ثم بكى وقال : شغلهم واللّه ذكر طول الوقوف ، وهمّ الجواب عن ذكر الجنة والنار والثواب . ثم قال : أنا أستغفر اللّه من شهوة الكلام . تنحّوا عني . فخليناه يبكي وقد ملئنا منه غمّا وهمّا . 889 - عابد آخر محمد بن أحمد الشّمشاطيّ قال : سمعت ذا النون يقول : بينا أنا سائر بين جبال الشام إذا بشيخ على تلعة من الأرض « 1 » قد تساقطت حاجباه على عينيه كبرا . فتقدمت إليه فسلمت عليه فرد عليّ السلام ثم جعل يقول : يا من دعاه المذنبون

--> ( 1 ) التلعة بوزن القلعة ، ما ارتفع من الأرض وما انهبط . وهو من الأضداد .