ابن الجوزي

295

صفة الصفوة

فوجدوه قريبا ، ويا من قصده الزاهدون فوجدوه حبيبا ، ويا من استأنس به المجتهدون فوجدوه مجيبا ثم أنشأ يقول : وله خصائص مصطفون لحبّه * اختارهم في سالف الأزمان اختارهم من قبل فطرة خلقه * فهم ودائع حكمة وبيان 890 - عابد آخر أبو عثمان سعيد بن الحكم قال : سمعت ذا النون يقول : بينا أنا أسير في بلاد الشام فإذا أنا بعابد قد خرج من بعض الكهوف فلما نظر إليّ استتر بين تلك الأشجار . ثم قال : أعوذ بك سيدي ممن يشغلني عنك ، يا حبيب التوّابين ، ومعين الصادقين ، وغاية أمل المحبين ، ثم صاح : وا غمّاه من طول البكاء [ وطول الحزن ] واكرباه من طول المكث في الدنيا . ثم قال : سبحان من أذاق قلوب العارفين به حلاوة الانقطاع إليه ، فلا شيء ألذّ عندهم من ذكره والخلوة بمناجاته . ثم مضى وهو يقول : قدّوس قدّوس قدّوس . فناديته : أيها العابد قف لي . فوقف وهو يقول : اقطع عن قلبي كلّ علاقة ، واجعل شغله بك دون خلقك . فسلمت عليه ثم سألته أن يدعو اللّه لي فقال : خفّف اللّه عليك مؤن نصب السير إليه ، وأدّاك إلى رضاه حتى لا يكون بينك وبينه علاقة . ثم سعى بين يديّ كالهارب من السّبع . ومن عابدات جبال الشام 891 - عابدة عبد الملك بن هاشم قال : سمعت ذا النون يقول : كنت سائرا في بعض جبال الشام فإذا أنا بكوخ فقصدته فإذا أنا بعجوز قد عميت من البكاء . فدنوت منها فسلمت وقلت : يا عجوز حدثيني ما الغنى ؟ قالت : الزهد في الدنيا . قلت : فما الزهد في الدنيا ؟ قالت ترك طلب المفقود حتى يفقد الموجود .