ابن الجوزي
293
صفة الصفوة
887 - عابد آخر بشر بن الحارث قال : استقبلني رجل في طريق الشام وعليه عباءة قد عقدها مستوفزا كأنه وحشيّ . فقلت له : رحمك اللّه من أين جئت ؟ قال لي : جئت من عنده . فقلت : وإلى أين تذهب ؟ فقال : إليه فقلت له : ففيم النجاة رحمك اللّه ؟ قال : في التقوى والمراقبة لمن أنت له مبتغ ، قلت : فأوصني . قال : لا أراك تقبل . قلت : أرجو أن أقبل إن شاء اللّه . قال : فرّ منهم ولا تأنس بهم واستوحش من الدنيا فإنها تعرّضك للعطب . ثم قال : من عرف الدنيا لم يطمئن إليها ومن أبصر ضررها أعدّ لها دواءها ، ومن عرف الآخرة ألح في طلبها ، ومن توهّمها اشتاق إلى ما فيها فهان عليه العمل . ثم قال : فكيف لو توهّمت من يملكها ومن زخرفها ومن قال لها : كوني فكانت وتزيّني فتزيّنت ؟ والتشوّق إلى مالكها أولى بقلوب المشتاقين ، وأطيب لعيش المستأنسين . ثم قال : قد أنسوا بربهم فالأمر فيما بينهم وبينه سليم ، صافوه بالعقول ، ودققوا له الفطن ، فسقاهم من كأس حبه شربة فظلوا في عطشهم أروياء ، وفي ريهم عطاشا . ثم قال : يا هذا أتفهم ما أقول وإلا فلا تتبعني ؟ قلت : بلى رحمك اللّه إني أفهم جميع ما قلت . قال : الحمد للّه الذي فهمك . قال : ورأيت في وجهه السرور ثم قال : خذ إليك نعم هم الذين لا يملون كاساته من تحفه ، فالحكمة إلى قلوبهم سائلة متواصلة ، لأنهم الأكياس الذين لم تدنسهم المطامع ولم تقطعهم عن اللّه عزّ وجل القواطع ، ليوث في تعزّزهم ، أغنياء في توكلهم ، أقوياء في تقلبهم ، قد قطعتهم الخشية وولهتهم الغربة ، نعيمهم اليقين ، وروحهم السكون ، ألين الخلق عريكة وأشده حياء ، وأشرفه مطلبا . لا يركنون إلى الدنيا جزعا . ولا يتطاولون ولا يتماوتون ، فهم صفوة اللّه عزّ وجل من خلقه ، وضنائن من خالص عباده . ثم قال لي أن القلوب الحية من دون هذا لها مقنع . نفعنا اللّه وإياك بما علّمنا وسلّمنا وإياك بما علمنا ، السلام عليك ورحمة اللّه . قال بشر : فطلبت إليه . فأبى عليّ وقال :